الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (19) اسم الله (الجَوَاد) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
4- ومن جوده الواسع ما أعده لأوليائه في دار النعيم: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( قَالَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ). قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: اقرأوا إن شئتم: ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) (السجدة: 17) (متفق عليه) . وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ: رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا فَيَقُولُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا -أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا- قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي -أَوْ أَتَضْحَكُ بِي- وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ ). قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً. (رواه البخاري ومسلم) .
الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله -تعالى- باسمه (الجَوَاد):
أولًا: زيادة محبته -سبحانه وتعالى- على كرمه وجوده، ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، والسعي إلى تحقيق هذه المحبة بشكره -سبحانه- بالقلب واللسان والجوارح، وإفراده وحده بالعبادة، وألا يكون من العبد إلا ما يرضي الله -سبحانه-.
ثانيًا: التعلق به وحده -سبحانه-، والتوكل عليه وتفويض الأمور إليه، وطلب الحاجات منه وحده -سبحانه-؛ لأنه (الجَوَاد) الذي لا نهاية لجوده، والقادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الحي الذي لا يموت؛ قال الله -تعالى-: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ) (الفرقان: 58) ، وهذا يورث قوة الرجاء والطمع في كرمه ورحمته، وقطع الرجاء من المخلوق.
ثالثًا: التخلق بصفة (الجُود) والسعي لإيصال الخير للناس، والإنفاق بسخاء في وجوه الخير التي يحبها الله، عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ" (أخرجه البخاري ومسلم) .
وجاء في مسند الإمام أحمد -رحمه الله-: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ )، فَأَبَى. فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي، فَفَعَلَ. فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي فَاجْعَلْهَا لَهُ فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( كَمْ مِنْ عِذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ! )، قَالَهَا مِرَارًا. فَأَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ، اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَتْ: رَبِحَ الْبَيْعُ، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا. (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) .
فاللهم يا جواد جُدْ علينا من بركاتك.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
