الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (20) اسم الله (الحسيب) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .
- ورد ذكر اسمه -سبحانه- (الحسيب) في القرآن الكريم ثلاث مرات؛ وذلك في قوله -تعالى-: ( وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) (النساء: 6) ، وقوله -عز وجل-: ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) (الأحزاب: 39) ، وقوله سبحانه: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ) (النساء: 86) .
معنى (الحسيب) في حق الله -تعالى-:
- قال الزجاجي -رحمه الله-: "(الحسيب) يجوز أن يكون من حسبت الحساب، ويجوز أن يكون أحسبني الشيء إذا كفاني" (تفسير الأسماء ص 49) .
- وقال السعدي -رحمه الله-: "والحسيب بمعنى الرقيب الحاسب لعباده، المتولي جزاءهم بالعدل وبالفضل، وبمعنى الكافي عبده همومه وغمومه. وأخص من ذلك أنه الحسيب للمتوكلين: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) (الطلاق: 3) ، أي: كافيه أمور دينه ودنياه" (توضيح الكافية الشافية) .
وقال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته:
وهـو الحسيـب كفاية وحماية والحسب كافي العبد كل أوان
مما سبق من الأقوال يتحصل لنا في معنى (الحسيب) معنيان: الأول: بمعنى الكافي والحافظ. والثاني: بمعنى المحاسب.
الوقفة الأولى: حول المعنى الأول لاسمه -تعالى- (الحسيب) بمعنى الكافي والحافظ:
- (الحسيب) الكافي لعبده التقي المتوكل عليه كفاية يصلح بها دينه ودنياه: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنفال: 64) . وقال -تعالى-: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) (الزمر: 36) .
- وبقدر ما يقوم به العبد من طاعة لله ومتابعة للرسول -صلى الله عليه وسلم- ظاهرًا وباطنًا تكون الكفاية والعزة والنصرة: قال -تعالى-: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (آل عمران: 173-174) . وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )، قالها إبراهيم -عليه السلام- حين أُلقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا: ( إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (رواه البخاري) . وعنه -رضي الله عنهما- قال: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لِي: ( يَا غُلَامُ -أَوْ يَا بُنَيَّ- أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ ) فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: ( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ، فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
الوقفة الثانية: حول المعنى الثاني لاسمه -تعالى- (الحسيب) بمعنى المحاسب:
- (الحسيب) المحاسب يحسب ما يقوم به العبد وهو أسرع الحاسبين، فحين يرد إليه العباد فيحاسبهم لا يشق عليه ذلك؛ فهو -سبحانه- يعلم عددهم وأعمالهم وآجالهم، وجميع أمورهم، وقد أحصاها وعلم مقاديرها ومبالغها وهو لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين: قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ) (النساء: 86) .
قال ابن جرير -رحمه الله-: "يعني بذلك -جل ثناؤه-: إنَّ الله كان على كل شيء مما تعملون -أيها الناس- من الأعمال من طاعة ومعصية حفيظًا عليكم حتى يجازيكم بها جزاءه". وقال -تعالى-: ( وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) (النساء: 6) . قال ابن جرير -رحمه الله-: "قوله: ( وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) يقول -تعالى- ذكره: وكفاك -يا محمد- بالله حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبًا لهم عليها".
وقال -تعالى-: ( وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (الأنبياء: 47) . قال السعدي -رحمه الله-: "أي: عالمًا بأعمال العباد حافظًا لها مثبتًا لها في الكتاب، عالمًا بمقاديرها ومقادير ثوابها وعقابها واستحقاقها، موصلاً للعمال جزاءها".
وقال -تعالى-: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (الأنبياء: 47) . وقال -تعالى-: ( اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ . عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ) (الرعد: 8- 9) .
