هل تكون سراجًا؟! (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة
فبقدر اقتراب الإنسان من الوحي المنزل، وأخذ نصيبه منه؛ يحصل له النور في قلبه الذي كالزجاجة الصافية؛ فيخرج منها النور لينير للناس؛ ويصل النور إلى قلوبهم فيهتدون ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (النور: 35 ) .
أما أنواع العلوم الأجنبية عن الوحي -مهما بلغت!- ما لم تكن معينة على الوصول إليه؛ فهي تظلم القلب الإنساني حتى لو أنارت عقله، وحققت أنواع الرفاهية المُبَاحَة أو المُحَرَّمة، أو -على الأقل- تترك القلب في ظُلُمَاته في أخطر القضايا المصيرية للإنسان حول أصل الوجود ونهايته وغايته، والحكمة مِن وجوده، وأنماط الحياة التي لابد أن يلتزم بها الإنسان ليسعد وينجو مِن الشقاء، قال الله -تعالى-: ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) (الروم: 6 - 7 ) .
فمهما بلغ العلم إذا لم يكن معه علم الآخرة؛ فإنه ليس علمًا، وإن مِن أكثر العلوم إظلامًا للقلب: الفلسفة، وعلم الكلام، والتقليد الأعمى، وألغاز المقامات، والإشارات التي يزعم أصحابها أنها طريق التهذيب والتزكية، وأما ما يُنشر في الإعلام مِن معلوماتٍ حول الكرة، والفن، والمُمَثِّلين والممثلات، وأنواع الطعام والشراب، وأخبار الرؤساء والكبراء والملوك، وأخبار الناس في العالم وحكاياتهم، وكذا القصص البشري الخيالي والخرافي، وغير ذلك؛ فهي من أكثر أسباب الظلمة انتشارًا.
ثم المكون الثاني المنير في الشخصية المسلمة هو: العبادة والذِّكْر "وأعظمه الصلاة" ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) (العنكبوت: 45 ) ، ثم الصوم، والصدقة، والحج والعمرة، والأذكار والأدعية -الموظفة وغير الموظفة-، وقراءة القرآن، مع التدبر على الرأس مِن ذلك كله؛ فبدون العبادة والذكر سيكون أثرنا في المجتمع مِن أضعف ما يمكن، وأثرنا في الدعوة إلى الله سيكون مقتصرًا على الشكل، وكذا في كل الأنشطة.
المكون الثالث المنير للشخصية المسلمة: السلوك والخُلُق؛ فبقدر حب العبد لربه، وخوفه ورجائه، وتوكله، وشكره وحمده، وصبره، وافتقاره إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- يكون أثره في الناس بالهداية، وجذب قلوبهم إلى حب الله وطاعته، وبقدر ما يكون في قلبه مِن الكِبْر والعُجْب، واتباع الشهوات، وحب الرياسة والجاه الذي يظهر بسببه السخرية مِن الناس والاستهزاء بهم، والتعالي عليهم، بقدر ما يُطْفَأ النور الذي يتكلم به حتى ولو كان حقًّا خالصًا.
فهلا كنا سُرُجًا منيرة نأخذ نصيبنا مِن السراج المنير -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قبْل أن نتهم الجيل والأجيال والمجتمعات بعدم الاستجابة؟!
يا رَبّ فَرِّج الكُرُبات.
