شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (265) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (5)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

فكان قوم إبراهيم -عليه السلام- جعلوا الأوثان والأصنام رموزًا للنجوم التي تصرِّف الكون في زعمهم واعتقادهم الفاسد. وكذلك كل مَن عبد حجرًا أو قبرًا أو ضريحًا أو رمزًا اختلقه بلا دليل عقلي ولا نقلي، وجعله يدبر الأرزاق أو يصرف الأفلاك أو جعله مدبر الكون كله، كما يعتقده غلاة الصوفية والرافضة في قبور الصالحين، وقد جعلوا منهم "القطب الغوث" الذي يدبر أمور الخلق كلهم: أرزاقهم وحياتهم ومماتهم، وكل هذه الأمور تمر من عنده! ولذا أجازوا طلب الأرزاق من هذا "القطب الغوث" على اختلافهم فيمن هو، بل وأجازوا طلب خلق الأجنة في بطون العواقر، وعندهم أنهم هم الذين يحيون ويميتون!

ومن ذلك ما في قصة الدسوقي والطفل والتمساح، فيروون هذه الخرافة: "أنَّ التماسيح كثرت في النيل على عهد إبراهيم الدسوقي، فخطف تمساح منها صبيًّا، فجاءت أمه إلى إبراهيم الدسوقي، فأرسل أحد أتباعه فوقف على شاطئ النيل وقال: "يا معشر التماسيح، مَن اختطف منكم صبيًّا فليأت به"، فخرج التمساح وهو يقول: "سمعًا وطاعة لسيدي إبراهيم الدسوقي، ومن كرامته عليَّ ألا أدخل عليه إلا وأنت على ظهري" ( قلتُ: ولم يبينوا كيف يركب رجل على ظهر تمساح وهو يزحف على الأرض)، قال: فلمَّا دخل عليه قال: "أخرج الصبي"، فأخرجه حيًّا يلعب ( قلتُ: فزعموا أنه أحيا الصبي من بطن التمساح بعد أيام من أكله وتقطيعه)، ثم قال له: "مُتْ الآن" ( قلتُ: فنسبوا إليه أنه أمات بقوله دون آلة من الآلات)، فمات من ساعته، ثم أشار إلى النيل بيده فانحرف النيل عن قرية دسوق!".

ويبررون الانحراف القريب من هذه القرية بهذه الإشارة، فنسبوا له الإحياء والإماتة وتدبير أنهار الأرض!

وعندهم في قصة الشيخ الشهاوي ومريده: الذي أرسله الشهاوي ليبشِّر بأوراد الطريقة في السودان، فغضب الشيخ المرغني وقبض روح الرجل ( قلتُ: وأين هم من قول الله: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) (الزمر: 42) ، وقول إبراهيم -عليه السلام-: ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) (البقرة: 258) ؟!)، فجاء المريدون إلى الشيخ وقالوا: "أدرك صاحبنا فقد قبض الشيخ المرغني روحه" ( قلتُ: هم صدَّقوا أنَّ الشيخ المرغني قبض روح الرجل!). قال الشهاوي: "فطرت إليه مع أحد المريدين فوجدت الجنازة قد وُضعت ووقف الشيخ المرغني ليصلي عليه، فوقفت بينه وبين الجنازة وقلت له: لماذا قبضت روح الرجل؟" ( قلتُ: كذلك الشيخ الشهاوي صدَّق أنَّ المرغني هو الذي قبض روحه، كأنهم لم يقرأوا القرآن!). فقال المرغني للشهاوي: "الملك ملكي، أفعل فيه ما أشاء!" ( قلتُ: وكأنه لم يمر على عشرات الآيات والأذكار النبوية وفي العبادات التي تثبت أنَّ الله وحده هو الذي له الملك يفعل ما يشاء: ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ) ).

فقال الشهاوي للمرغني: "أليس لك شريك في الملك؟" ( قلتُ: غاية الشهاوي أن يثبت أنَّ هناك شركاء للمرغني وأنه ليس وحده الذي له الملك). فقال المرغني: "لا، لا شريك لي في الملك" (نعوذ بالله من الشرك، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير).

قال الشهاوي: "فتوجهت إلى قبر السيد البدوي ليدرك الرجل قبل أن يدفن" ( قلتُ: أيضًا لم يذكروا فعلاً لله -عز وجل- ولا طلبًا منه، وإنما الأولياء يحيون ويميتون ويُلجأ إليهم في إحياء الموتى!). قال: "فبينما نحن على ذلك إذ جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرعبنا نحن الاثنين" -(أي: هو والمرغني)-، "فرد روح الرجل فقام الرجل يمشي كالمجنون"، ثم شكا له أنه كلما طلب باب رزق لم يجد رزقًا، فقال له -(أي: الشهاوي)-: "إنَّ الشيخ المرغني حين قبض روحك شطب رزقك" -(نعوذ بالله)-، وإنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين رد روحك لم يرد عليك رزقك، فليس لك رزق إلا في أرزاق الناس" " قلتُ: وكأنَّ الرزق من أرزاق الناس ليس رزقًا من الله! هؤلاء الذين يقال لهم: ( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ) (العنكبوت: 17) ".

وعندهم بعد "القطب الغوث" "الأقطاب الأربعة" كل منهم يدبر ربع الكون -على اختلافهم فيهم بالتأكيد-، ثم "الأبدال الأربعون"، ثم "النجباء السبعون"، ثم مائة وأربعة وعشرون ألف ولي. وكل هذا من الخرافات التي يظنون أنهم أخذوها من "الكشف والإلهام"، وقد أكدوا أنه لا توجد عليها أدلة من الكتاب أو السُّنة، ولا بالقطع من أدلة عقلية محسوسة، بل هم كما قال تعالى: ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) (النجم: 28) .

والحق الذي أوجب الله اتباعه هو نصوص الوحي المنزل على الأنبياء، والحكمة التي أجراها على ألسنة رسله: ( وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (البقرة: 151) .

وقد انقطع الوحي بموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن بقي الفهم في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وليست هذه الخرافات منها.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة