الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (267) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (7)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
فلما كان الفقر حاصلًا بدأ بذكر رزق الآباء، ولما كانوا يخشون الفقر -وليس واقعًا- بدأ بذكر الأبناء.
وقال -تعالى-: ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) (هود: 6) ، وقال -سبحانه- في غير موضع من كتابه: ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) (الرعد: 26) .
فهذه القضية من أوضح ما يكون من قضايا التوحيد عند أهل الإسلام جميعًا، وما كنا نظن أننا نحتاج إلى الدلالة عليها من آيات القرآن وما أكثرها، فإنها معلومة من الدين بالضرورة لولا ما وُجِد من زنادقة ينتسبون إلى التصوف يزعمون أن الأقطاب والأولياء يملكون الأرزاق ويشطبونها، ومنهم تنزل إلى الناس! واستدل بعضهم كاذبًا بقوله -تعالى-: ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ) (النساء: 8) ، فجعلها دليلًا على أن العباد يَرزقون مع أن المعنى الواضح الذي لا شَكَّ فيه أنها بمعنى العطاء، وليس بمعنى خلق الرزق الذي انفرد الله -عز وجل- به والذي ينسبونه إلى أوليائهم.
وهذا الاستدلال وحده يقدح في إسلام صاحبه وإيمانه بالقرآن؛ إذ معلوم عند جميع العقلاء أن المعنى هو العطاء لا إنزال الأرزاق وخلقها، ورزق الله -عز وجل- لخلقه لا يشبه رزق مخلوق لمخلوق أبدًا، فإنه -سبحانه- خير الرازقين، فهو -عز وجل- الذي يخلق الأرزاق وييسر لعباده وصولها إليهم حتى يصل الرزق إلى كلِّ خلية في أجسادهم وأجساد مَن حولهم من الناس والحيوان، لا يملك ذلك إلا هو -سبحانه وتعالى-، فدعوى أن الأولياء يرزقون ويشطبون الأرزاق وهم الذين يعيدونها إذا شطبوها، فإذا شطبوها لم يجد الإنسان له رزقًا، فهذا كله من الضلال والشرك الذي ضَلَّت أمم بسببه، وصاروا يطلبون الأرزاق من الموتى -من الصالحين وغيرهم-، فوقعوا في شرك الألوهية بعد الشرك في الربوبية، وإنما الواجب كما قال إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لقومه: ( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، فالواجب على العباد أن يعتقدوا اعتقادًا جازمًا أن الله وحده هو الذي يملك الأرزاق دون مَن سواه، ثم عليهم أن يطلبوا الرزق منه وحده لا شريك له، ويستعملوا رزقه في عبادته ويشكروه عليه، فإنما أنزل لهم الأرزاق لكي يستعينوا بها على العبادة والطاعة والذِّكْر، ولكي يشكروا هذه النعم والأرزاق كما قال -عز وجل- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: ( وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم: 37) ، فجعل الغاية هي الشكر، وجعل الرزق سببًا لتحصيله عند الخلق.
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
