الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (25) اسما الله (الأول، الآخر) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
أولًا: اليقين بأن أولية كل شيء وآخريَّته بيده -تعالى- (الأول والآخر): قال -تعالى-: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) (الأنبياء: 104) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) (يس: 79) . وقال -تعالى-: ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) (الروم: 27) .
ثانيًا: عدم الاغترار بالأسباب المادية، أو الوثوق بالمؤهلات الذاتية؛ لأنها من الله، مستمدة من أوليَّته، فانية بآخريَّته: قال -تعالى-: ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ) (النحل: 53) ، وقال: ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ) (الدخان: 25- 27) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: "وعبوديته باسمه (الآخر) تقتضي عدم ركونه ووثوقه بالأسباب، والوقوف معها، فإنها تنعدم لا محالة، وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها" (2) .
ثالثًا: أن يجعل العبد همه هم المعاد (أي: الرجوع إلى الله الآخر): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: "تعبَّد له باسمه (الآخر)، بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه، ولا مطلوب لك وراءه... فإن إلى ربك المنتهى".
رابعًا: إفراد الله بالعبادة: فربٌّ بهذين الاسمين العظيمين المحيطين، يستحق أن يكون هو المعبود وحده، والمتوكَّل عليه وحده، والمدعو وحده؛ ولذلك لمَّا جاء أهل اليمن وقالوا: جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ أجابهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بفقه اسم الله (الأول)، فقال لهم: ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ ) (رواه البخاري) .
خامسًا: الاتصاف بالأولية في السبق إلى فعل الخيرات، والمنافسة على الأولية في كل وجوه الطاعات: قال -تعالى-: ( أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) (المؤمنون: 61) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ ) (رواه مسلم) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جرى على ألسنة كثير من المتكلمين وبعض أهل السنة -أحيانًا- تسمية (الرب) -تعالى- (بالقديم)، والقديم ليس من أسماء الله -تعالى- الحسنى. والتزام تسميته بـ(الأول) هو الموافق للكتاب والسنة، واللغة، ويؤدي ما يؤديه (القديم) وزيادة، فإن (القديم) يعم كل متقدم على غيره في الزمان، وأمَّا (الأول) فإنه يدل على التقدم المطلق على كل شيء.
(2) للاستزادة: قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فعبوديته باسمه (الأول) تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب، والوقوف أو الالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد، إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك، وإنما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فمنه سبحانه الإعداد، ومنه الإمداد وفضله سابق على الوسائل. والوسائل من مجرد فضله وجوده؛ لم تكن بوسائل أخرى. فمن نزل اسمه (الأول) على هذا المعنى أوجب له فقرًا خاصًّا وعبودية خاصة.
وعبوديته باسمه (الآخر) تقتضي أيضًا عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها، فإنها تنعدم لا محالة، وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بـ (الآخر) سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به. فتأمل عبودية هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده، ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه، وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه تنتهي الأسباب والوسائل، فهو أول كل شيء وآخره، وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح له، ولا فلاح، ولا كمال إلا بأن يكون وحده غايته ونهايته ومقصوده، فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبودياتها وإراداتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ. فكما كان واحدًا في إيجادك فاجعله واحدًا في تألهك إليه لتصح عبوديتك، وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه لتصح لك عبوديته باسميه (الأول والآخر) وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه (الأول) وإنما الشأن في التعبد له باسمه (الآخر) فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو رب العالمين وإله المرسلين سبحانه وبحمده" (طريق الهجرتين) .
