من نعيم النساء في الجنة (1)
الشيخ علاء بكر • التزكية
- وقد وردت مضاعفة الثواب والأجر في حق أمهات المؤمنين خاصة لعلو مكانتهن ومسئوليتهن، وفي ذلك أيضًا إثبات الثواب والأجر للنساء لكن مع مضاعفة الثواب والأجر، قال -تعالى-: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ) (الأحزاب: 30- 31) .
طهارة نساء الجنة:
خُلِقَت النساء وفيهن من الجمال ما فيهن، لكونهن أنيسات لأزواجهن من الرجال، يأنس بهن الرجال، ويسعدون في جوارهن، ويسكنون إليهن، ويملأ قلوبهم المحبة والود لهن، ولهذا كانت النساء من جنس الرجال لا من جنس آخر، ومن ضلع آدم خُلِقَت حواء، قال -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (الروم: 21) .
ونساء الجنة آية في الجمال والبهاء، ومن تمام جمالهن أنه لا يكدِّره ما يكدِّر جمال نساء الدنيا ممَّا يصيبهن من الحيض والنفاس، وما يكون من تغوط وتبول، أو يصيبهن من تمخط وبزاق ونحو ذلك، وممَّا يصيبهن من نصب وتعب ووهن، ما يلحقهن من هرم وشيخوخة وضعف بدن ونقص في الجمال والحلاوة مع تقدم العمر، فهن طاهرات منزَّهات عن كل ذلك وما يشابهه. فللنساء في الجنة جمال لا يقاربه ويدانيه جمال غيرهن.
- قال -تعالى-: ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة: 25) .
- وقال -تعالى-: ( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) (آل عمران: 15) .
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة آل عمران: "( وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ): أي من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك ممَّا يعتري نساء الدنيا.
- وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ) (النساء: 57) .
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة النساء: "( لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ): أي من الحيض والنفاس والأذى، والأخلاق الرذيلة والصفات الناقصة، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: مطهرة من الأقذار والأذى. وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي -رحمهم الله-. وقال مجاهد -رحمه الله-: مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد. وقال قتادة -رحمه الله-: مطهرة من الأذى والمآثم ولا حيض ولا كلف. قلتُ: وقوله: "إنها (مطهرة من المني)؛ لأن الجماع في الجنة يكون بلا مني كما سيأتي. وقوله إنها (مطهرة من الولد)؛ لأن المرأة في الجنة لن تحتاج إلى الولد ولا الولادة كما سيأتي" والله -تعالى- أعلم.
قال الراغب الأصفهاني -رحمه الله- في (مفردات ألفاظ القرآن): "( لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ) (النساء: 57) أي: مطهرات من درن الدنيا وأنجاسها. وقيل: من الأخلاق السيئة، بدلالة قوله: ( عُرُبًا أَتْرَابًا ) (الواقعة: 37) .
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "وقال -تعالى-: ( وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ) أي: من الحيض والنفاس والبول والغائط والبصاق والمخاط، لا يصدر منهن شيء من ذلك، وكذلك طهرت أخلاقها ولحاظها ولباسها وسجيتها" (جزء الفتن والملاحم من البداية والنهاية لابن كثير) .
وقد روى أحمد بسنده عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ -وقال لأصحابه إن أقر لي بهذه خصمته- قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ )، فقال اليهودي: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ الْمِسْكِ، فَإِذَا الْبَطْنُ قَدْ ضَمُرَ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) . وفي رواية أخرى للحديث قال اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَكُونُ حَاجَةُ أَحَدِهِمْ رَشْحًا يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرَشْحِ الْمِسْكِ فَيَضْمُرُ بَطْنُهُ ).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "قال الحافظ الضياء -رحمه الله-: وهذا عندي على شرط مسلم؛ لأن ثمامة -رحمه الله- ثقة، وقد صرَّح بسماعه من زيد بن أرقم -رضي الله عنه-.
