شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (268) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (8)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ونحن هنا بين ثلاثة أطراف: فطرف يشغله طلب الرزق ليل نهار، ولا عمل له في الحياة إلا طلب المال والطعام والشرب والشهوة، وقد حذَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك، فقال: ( مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

وليس المقصود تفرغ العبد في المسجد بالليل والنهار أو الصلاة بالليل والنهار دون طلب الرزق، وإنما المقصود تفريغ الهم والإرادة والقصد، فيصبح العمل الدنيوي عبادة لله -سبحانه وتعالى- كما بيَّنا من قبل.

ومن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

ولا شك أن هذا فيمن شغله العمل عن الواجبات من العبادات الواجبة وطلب العلم والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، والجهاد من الدعوة إلى الله، وإلا فالزراعة من أفضل الأعمال؛ لما فيها من ثواب الزرع والغرس، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ ) (متفق عليه) ، ومع ذلك إذا كان سببًا للانشغال عن الواجبات كان محرمًا، وعقوبة ينتظرها من الله -عز وجل-.

والطرف الثاني: مَن يتكاسل عن طلب الرزق ويتواكل على الناس، ولا يتوكل على الله في الحقيقة وإن زعم التوكل، ويطلب أنواع الأعمال التي لا مشقة فيها وإلا ترك العمل، وهذا من أكبر أسباب الفقر في كثيرٍ من الشعوب، وعدم الجدية في البحث عن العمل مع قضاء الساعات الطويلة مع الهواتف الذكية ووسائل التواصل، أو أصدقاء السوء على المقاهي في لعب النرد المحرم والشطرنج والورق، وما هو أسوأ من ذلك من أماكن المعاصي: كالنوادي الليلية، وصالات الرقص، وحفلات الغناء، وشرب الخمر والمخدرات، أو صالات القمار التي تقضي على إنسانية الإنسان قبل أن تقضي على ماله وخلقه، بل في الحقيقة تقضي على دينه وتهدم بنيان قلبه، وهذا من أعظم أسباب الفقر والحاجة، ومحق البركة، وقد ذَمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- تركَ العمل الجاد، وقال للرجلين الجَلْدَين اللذين سألاه من الزكاة: ( إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وقال: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ) (متفق عليه) .

وأما الطرف الثالث: فهو الذي يترك العمل تعبدًا بزعم التوكل، فيدخل الصحارى بغير زادٍ ويعيش في الخربة، يزعم أنه يطلب الرزق من السماء، وكان هذا في الصوفية القدماء؛ أما صوفية زماننا: فيعيشون في القصور، ويأكلون أفخر الأطعمة، ويلبسون أفخر الثياب، ويركبون أفخم السيارات! ولا شك أن ترك العمل تعبدًا مِن البدع ومخالفة هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- والأنبياء قبله -صلى الله عليهم وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم-، وأهل العِلْم والصلاح عبر الزمان.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة