الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (26) اسم الله (الجَمِيل) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
رابعًا: في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ) حث على التجمل والنظافة، وهذا التجمل يشمل جمال الظاهر في الجسد واللباس من غير إسراف (1) ، كما يشمل جمال الأخلاق، وجمال الباطن في القلب وما ينطوي عليه من الأعمال القلبية الجميلة كالإخلاص والمحبة وسلامته من كل ما يدنسه ويكدره؛ قال -تعالى-: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ . قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (الأعراف: 31- 32) . وقال -سبحانه-: ( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ) (المعارج: 5) . وقال -تعالى-: ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ) (المزمل: 10) . وقال: ( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) (الحجر: 85) . وقال -عز وحل-: ( فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ) (الأحزاب: 49) . وعن أبي الأحوص الجُشَمي -رضي الله عنه- قال: "رآني النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليَّ أطمار، فقال: ( هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ؟ ) قلت: نعم. قال: ( مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ ) قلت: من كل ما آتى الله من الإبل والشاء. قال: ( فَلْتُرَ نِعْمَتُهُ وَكَرَامَتُهُ عَلَيْكَ )" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
خاتمة:
لقد فَطَر الله (الجَمِيل) -سبحانه- الناس على حب الجمال والتطلع إلى الكمال، وكل ما في هذا الكون من مظاهر الجمال والجلال والكمال هو من آثار (الجَمِيل) -سبحانه وتعالى-، فكل جمال في الكون يرجع إلى جماله، وكل كمال في الخلق يرجع إلى كماله، سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكل كمال غير كماله نقص، فلا كامل إلا هو سبحانه.
قال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته:
وَهُــوَ الــجَــمــِـيـلُ عَــلَـى الحـَــقِــيــقَـةِ كَـيْـفَ لَا وَجَـمَـالُ سَـائِـرِ هَـذِهِ الأَكْـوَانِ
مِـــنْ بَـــعْــضِ آثَـارِ الـجَـمِـيـلِ فَـرَبُّـهَـا أَوْلَــــى وَأَجْـــدَرُ عِــنْــدَ ذِي الـعِـرْفَــانِ
فَـــجَـــمَـــالُـــهُ بِــالــذَّاتِ وَالأَوْصَــــافِ وَالأَفْــعَــالِ وَالأَسْــمَــاءِ بِــالــبُــرْهَـــانِ
لَا شَـــيْءَ يُــشْــبِــهُ ذَاتَــهُ وَصِــفَــاتِــهِ سُــبْــحَــانَــهُ عَــنْ إِفْـكِ ذِي الـبُـهْـتَــانِ
فاللهم يا جميل، امنن علينا بجميل عفوك، والنظر إلى وجهك في دار الكرامة والجمال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وعن جمال الصورة واللباس، قال ابن القيم -رحمه الله-: "الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع، منه ما يُحمد، ومنه ما يُذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم. فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه، فإنَّ ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه. والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه، فإنَّ كثيرًا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك. وأمَّا ما لا يُحمد ولا يُذم فهو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين" (الفوائد) .
