الحقوق الزوجية المتبادلة
عصام حسنين • المرأة والأسرة
وقال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: "إني لأصلي، فأذكر ولدي؛ فأزيد من صلاتي" ، وقال أحد الصالحين: "يا بني ، إني لأستكثر من الصلاة لأجلك".
في هذا الجو الإيماني والعـُش الدافئ الذي تغمره المودة والرحمة تـَشـِبُّ الذرية على حب طاعة الله، وتعظيم شعائره اقتداءً بالأبوين؛ قال -تعالى-: ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) (آل عمران:34) .
ثال ثً ا: حفظ السر:
هذا حقٌ مهم جد ًّ ا بين الزوجين، وسبب كبير لاستقرار البيت ، فإنه قد اطلع كلٌ منهما على الآخر بما فيه من العيوب والمميزات، فلا يجوز لأحد منهما أن يذكر الآخر بسوء ولا أن يفشي سره.
قال -تعالى-: ( فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) (النساء:34) ، أي : الصالحات قائمات بحقوق أزواجهن ، ومعينات لهم على الدين، وحافظات لغياب أزواجهن في عرضٍ فلا تزني، وفى سر فلا تـُفشي! ولا أن يعير كل منهما الآخر ولو فيما بينهما.
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي -يجامع- إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ) ( رواه مسلم ) ، نعوذ بالله من ذلك.
رابع ً ا: المبيت في الفراش والإعفاف:
فلا يجوز لأحد الزوجين أن يمنعه صاحبه مع القدرة عليه، وخاصةً الزوجة؛ لأن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة؛ ولأن داعية النكاح أقوى التشويشات عليه؛ لذلك ورد الوعيد الشديد في المرأة التي تتصنع لزوجها ثم تمتنع منه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ ؛ لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ) (رواه البخاري) .
وعلى الزوج أن يراعي حاجة زوجته حسب قدرته، ويحرم عليه تعمد هجرانها قال -تعالى-: ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ) (النساء:129) .
قال أبو بكر الجصاص -رحمه الله-: "ويدل على أن عليه وطأها قوله -تعالى-: ( فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ) (النساء:129) ، يعنى: لا فارغة فتتزوج، ولا ذات بعل إذا لم يوفها حقها من الوطء". انتهى.
خامس ً ا: تزين الزوجين:
وهذا حق لكل منهما على الآخر، وسبب عظيم من أسباب الألفة والمودة ، ويدل لذلك حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنهما- قَالَ: " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ: ( أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلا ً - أَيْ : عِشَاءً - كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ ) (متفق عليه) .
فالشعثة هي : البعيدة العهد بالغسل وتسريح الشعر والنظافة ، والمُغيبة هي : التي غاب عنها زوجها.
فالمرأة الصالحة هي التي تُديم الزينة التي تدخل السرور ما دام حاضر ً ا ولا تهجر ذلك إلا في غيبته.
والمرأة الصالحة تسعى لإرضاء زوجها ، وتدخل على قلبه السرور إذا جاء بيته، فتستقبله متزينة متنظفة لا تُبدي تعب ً ا من عمل ولا نفور ً ا من أمر ، متحرية إدخال السرور عليه ، فتحمل عنه متاعه وتُعينه على نزع ثيابه، تقدم له ما يلبس ، وذلك مدعاة لسروره وسعادته بامرأته.
ولتحذر المرأة الصالحة من ضد ذلك ، فإنه يجلب النفرة والابتعاد.
وعلى الرجل - أ ي ض ً ا - أن يتزين الزينة المناسبة له ، فإنها يعجبها منه ما يعجبه منها.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي".
وقال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي: "أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ، ولحيته تقطر من الغالية -نوع من الطيب- ، فقلت ما هذا؟ قال: " إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب ، وإنهن يشتهين منا ما نشتهي منهن".
وعلى كلٍ ؛ فينبغي أن يكون الرجل عند زوجته في زينة تسرها وتعفها عن غيره من الرجال! وأن يحذر الرجل من ضد ذلك - أيض ً ا - ، فإنه يؤدي إلى نفرة قد تهدم البيت -عياذ ً ا بالله تعالى-، ونسأله -تعالى- أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يوفقنا لإعطاء كل ذي حق حقه. آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
