الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (269) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (9)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
فالجمع بين طلب الرزق والعبادة أمر عظيم الأهمية في حياة البشر، ولا يجوز أن يقع الخلل عندهم في الأمرين ، فأكثر الناس جعلوا الرزق هو الغاية من الحياة، فأكثرهم يجعلون المال هو غايتهم إذ به يتمكنون -في ظنهم- من الوصول إلى باقي الأرزاق؛ قال -سبحانه وتعالى-: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (آل عمران: 14) .
والله -عز وجل- خَلَق لهم هذه الأرزاق ليعبدوه فيها وبها، فهي وسيلة لا غاية، ويجب أن تبقى وسيلة: فهي بمنزلة النعلين في رجل الإنسان، لا يجوز له أن يضع نعليه على رأسه كالتاج ويقول للناس: "انظروا للتاج على رأسي ألا ترونه!"، مع أنَّ النعلين إذا نزعا من القدمين لم ينتفع بهما، بل كان مدعاة للسخرية به أن يظنهما تاجًا فوق رأسه، وإن كان أكثر الناس يرونهما كذلك تاجًا إلا أهل الإيمان والعلم؛ قال الله -عز وجل- عن قارون: ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ . فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ . وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) (القصص: 79- 82) .
فلنحرص في حياتنا ألا يختل التوازن بين الوسيلة والغاية، فإنَّ سعادة الإنسان أن يستعمل الوسيلة للوصول إلى الغاية، فعبادة الله أعظم سعادة في الدنيا، وتؤدي إلى أعظم السعادة في الآخرة بدخول الجنة والنظر إلى وجه الله -سبحانه-، وسماع كلامه وسلامه وأمانه، والفوز برضوانه. ولا تنقطع العبادة في الجنة، ولكن ينقطع تعب الأبدان فيها وتبقى لذة الأرواح، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أهل الجنة: ( يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ ) (رواه مسلم) .
بل بلغ من سعادة الصالحين بالعبادة "والصلاة خصوصًا" ما قال ثابت البناني -رحمه الله-: "اللهم إن أذنت لأحدٍ من عبادك بالصلاة في قبره فأذن لي". وقد دَلَّ الدليل على أنَّ الأنبياء يصلون في قبورهم، كما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- موسى -عليه السلام- قائمًا يصلي في قبره.
والصحيح أنَّ عباد الله المؤمنين يصلون أيضًا في قبورهم، كما في حديث ابن حبان -رحمه الله- في صفة سؤال القبر وفتنته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّ المؤمن تُهيَّأ له الشمس كأنها توشك على الغروب، فيقعده الملكان فيسألانه، فيقول: "دعاني حتى أصلي"، فيقولان له: "إنك ستفعل، ولكن أخبرنا عن هذا الرجل الذي بُعث فيكم"، أو كما قال -صلى الله عليه وسلم-، والملائكة صادقون.
فكذلك لا بد أن نستعمل رزق الله في عبادته، وأن نشكر له -سبحانه وتعالى-.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
