الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (27) اسم الله (البَصِير) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
ثالثًا: التعبد لله باسمه (البصير) من أعظم أسباب انتشار الخير وجميل الفعال في المجتمع، عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم قال: "بينما أنا مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يعس المدينة، إذ أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، وإذا امرأة -بائعة لبن- تقول لابنتها: يا ابنتاه، قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء. فقالت لها: يا أمتاه، وما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديًا فنادى: ألا يُشاب اللبن بالماء. فقالت: يا بنية قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر. فقالت الجارية لأمها: يا أمتاه، إن كان عمر لا يرانا فإنَّ رب عمر يرانا، وما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء!" (أخرجها أبو نعيم في الحلية، وذكرها ابن عساكر في تاريخ دمشق وغيره) .
وعن زيد بن أسلم -رحمه الله- قال: "مر ابن عمر -رضي الله عنهما- براعي غنم فقال: يا راعي الغنم هل من جزرة؟ قال الراعي: ليس ههنا ربها. فقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: تقول: أكلها الذئب. فرفع الراعي رأسه إلى السماء ثم قال: فأين الله؟ فاشترى ابن عمر -رضي الله عنهما- الراعي واشترى الغنم فأعتقه وأعطاه الغنم" (رواه الطبراني في المعجم الكبير، وصححه الألباني) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال ابن القيم -رحمه الله-: "البصيرة تنبت في أرض القلب الفراسة الصادقة، وهي نور يقذفه الله في قلب من شاء من عباده، يفرق به بين الحق والباطل، والصادق والكاذب.. والتوسم تفعل من السيما وهي العلامة، فسمي المتفرس متوسمًا؛ لأنه يستدل بما يشهد على ما غاب، فيستدل بالعيان على الإيمان، ولهذا خص الله -تعالى- بالآيات والانتفاع بها هؤلاء؛ لأنهم يستدلون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به الرسل من الأمر والنهي والثواب والعقاب. وقد ألهم الله ذلك آدم -عليه السلام- وعلمه إياه حين علمه أسماء كل شيء، وبنوه هم نسخته وخلفاؤه، فكل قلب قابل لذلك وهو فيه بالقوة، وبه تقوم الحجة وتحصل العبرة وتصح الدلالة، وبعث الله رسله مذكرين ومنبهين ومكملين لهذا الاستعداد بنور الوحي والإيمان، فينضاف ذلك إلى نور الفراسة والاستعداد فيصير نورًا على نور، فتقوى البصيرة ويعظم النور ويدوم بزيادة مادته ودوامها، ولا يزال في تزايد حتى يُرى على الوجه والجوارح والكلام والأعمال.
ومَن لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسًا دخل قلبه في الغلاف والأكنة فأظلم وعمي عن البصيرة، فحُجبت عنه حقائق الإيمان، فيرى الحق باطلاً والباطل حقًّا والرشد غيًّا والغي رشدًا. قال -تعالى-: ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (المطففين: 14) ، والرين والران هو الحجاب الكثيف المانع للقلب من رؤية الحق والانقياد له" (مدارج السالكين بتصرفٍ يسيرٍ) .
فاللهم يا بصير ارزقنا مراقبتك والخشية منك، والبصيرة في الأمور كلها.
