الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (270) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (10)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
فجعل الله -عز وجل- النعم ليأخذك بها إلى ما هو أهم، وليأخذ قلبك بها إلى نعمة أتم؛ وهي: أن تشكره -عز وجل- على نعمته، فيعطيك المزيد لأن الله -تعالى- قال: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم: 7) . وما أنعم الله به عليك من شكره هو نعمة جديدة، فإذا شاهدتَ ذلك عَلِمتَ أنَّك لا تحصي ثناءً عليه، كما وَرَد في الأثر الإسرائيلي: "أنَّ داود -عليه السلام- قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة عليَّ من عندك تستوجب بها شكرًا؟ فقال -تعالى-: الآن شكرتني يا داود".
فيشعر العبد أنَّه يعجز عن أن يُحْصِي ثناءً على الله كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ) (رواه مسلم) .
والآثار في الحمد والشكر كثيرة جدًّا في الكتاب والسُّنَّة يَشُقُّ إحصاؤها، وكل منها يحتاج إلى وقفات، ولكن إنَّما نشير إلى أشياء منها؛ قال الله -تعالى-: ( وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران: 144) . أي: سيجزيهم أعظم الجزاء، وأعظم شكر لنعمته -عز وجل- بالدِّين هو الثبات عليه حتى تلقى الله -عز وجل-، فأنت تشكر نعمة الله أن وفَّقك للدين بأن تثبت عليه كما دلَّت عليه الآية الكريمة؛ قال -تعالى-: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران: 144) .
فمع أنَّها مقام ابتلاء عظيم، ومقام نزول أعظم مصيبة بالمسلمين حين مات النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنَّ ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من عبادة الله هو أعظم نعمة، وشكر هذه النعمة بأن نثبت عليها ولو بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالأمر ليس مرتبطًا بشخصه، ولكن يرتبط بما جاء به كما قال أبو بكر -رضي الله عنه- على المنبر بعد أن مات نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: "من كان يعبد محمدًا فإنَّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حي لا يموت"، وتلا هذه الآية: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران: 144) .
فمَن انقلب على عقبيه فقد كفر هذه النعمة ولم يشكرها، ولم يكن محقًّا في اتباعه -صلى الله عليه وسلم-، واتباعه لما جاء به وللإيمان والتوحيد الذي جاء به وعبادة الله التي جاء بها، قال -تعالى-: ( وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران: 144) ، فهذا مقام فيه صبر وشكر معًا؛ شكر نعمة الله -عز وجل- بأن نثبت على هذا الدين وأن نوحِّد الله في كل وقت وفي كل حال، ونثبت على عبادة الله؛ سواء وجدنا معينًا لنا أم لم نجد، وسواء أكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيًّا أم قد مات ورحل عن هذه الدنيا.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
