شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (271) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (11)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

فَلْتَتَأَمَّل في هذه الرحلة الطويلة كما أرشدنا الله -عز وجل-: ( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ) (الواقعة: 68- 70) .

والمياه العذبة نسبة الأملاح فيها متناسبة تمامًا مع تكوين الإنسان والحيوان، وحاجته وحاجة خلاياه، ولو زادت نسبة الأملاح لصارت مِلْحًا أجاجًا، لا يستسيغه الإنسان ولا يشعر بالرِّي عند شربه؛ وذلك لأنَّ الفَرْق بين نسبة الأملاح في الماء المالح والماء العذب نسبة بسيطة، ولكنَّ الماء المالح لا يناسب الإنسان والحيوان، فسبحان الله! لو شرب إنسان من ماء البحر لا يرتوي أبدًا، ويزداد عطشه كلما شرب منه، ويتضرر أعظم الضرر.

وحينما يحاول البشر تحلية المياه المالحة لجعلها عذبة، فإنَّهم يُجهَدون جهدًا شديدًا، وبعد ذلك لا تكون هذه المياه بالكفاية التي تكفي حاجات عامة البشر، وطعمها ليس كالمياه العذبة التي نزلت من السماء، وبالرغم ممَّا تبذله بعض الدول الغنية في ذلك؛ إلا أنَّها لا تكون مثل ما أنزله الله من السماء.

فتأمل حال البشر لو جعل الله كل البحار والأنهار كلها مالحة! فسبحان مَن أتقن كل شيء، فتغيُّر هذه النسبة يعني تغير حياة البشر.

ولو زاد الملح في جسم الإنسان فإنه ينتفخ وتنفجر خلاياه من شدة امتلائها بالماء لكثرة المِلْح فيها، ويخرج الماء بين المسافة الخلوية، ويرتفع ضغط الدم في العروق ممَّا يؤدي إلى انفجار هذه العروق، وتنتهي حياة هذا الكائن بعد قليل. والأملاح التي في المياه العذبة ليست منعدمة تمامًا؛ لأن الإنسان يحتاج إلى نسبة من الأملاح الموجودة فيها، ولكن بنسبة ضئيلة ومحسوبة تناسبه، فالله -عز وجل- أمرنا أن نتفكر في نزول الماء من المُزن، فهناك ماء ينزل من المزن تشربه مباشرة، كالماء الذي ينزل من السحاب ويُجْمَع كما هو ويُشْرَب، وهناك مَن ينتظر حتى يأتيه في الأنهار.

ومن آيات الله -عز وجل-: أن مَرَدَّ الأنهار إلى المطر، وهذا إنَّما عرفوه مؤخرًا عندما اكتشفوا منابع الأنهار، بينما كان عامة المتقدمين يرون أن الأنهار تتفجر من الأرض فقط، والحقيقة أنَّ الماء كله نزل من المزن من السماء، وهذه آيات من الله عظيمة؛ فليتفكر الإنسان في مثل ذلك، وليقل: "الحمد لله" على تيسير هذه الشربة، فلا يعرف قَدْر هذه النعمة إلَّا من حُرِمها فكان في صحراء قاحلة حتى يكاد أن يموت عطشًا، والبعض قد يموت فعلًا.

وبعد ذلك لكي يتحقق الرِّي لا بد من أشياء كثيرة لا نستطيع منها شيئًا؛ فمن أول شربنا لشربة الماء ودخولها من الفم ليس لك فيها تصرف ولا توجيه، فلكي يشعر الإنسان بالرِّي لا بد أن تكون مجاري الطعام والشراب من البلعوم والمريء سليمة مفتوحة ليس بها أورام ولا قرح، ولا موانع من خارجها تضيقها فلا تمر شربة الماء، ولا يملك ذلك إلا الله، ثُمَّ لا بد أن يُمْتَص الماء من المعدة حتى يدخل إلى الدم، ولو أنَّ الجهاز الهضمي تحرَّك حركة عكسية كارتجاع المريء مثلًا لمَا وصلت شربة الماء إلى المعدة ولاستقاءها، ولم تستطع شربة الماء أن تسوغ وتمر، ولمَا استمتع بقطرة ماء واحدة.

وإذا امتصته المعدة والأمعاء جَرَت من خلال الدم لتصل إلى الخلايا التي تحتاج الماء ثُمَّ يحصل الرِّي عند ذلك، وهذا إنَّما يحصل بإرسال مركز الارتواء بالمخ، يُخبِر بأنَّ الماء الموجود في الجسم يكفيه وإن كان غير ذلك، فإنَّه يرسل إشارات يخبر بها أنَّه يحتاج إلى مزيد الماء، وهذا الشعور بالعطش، وهو شعور عجيب نحن لا قدرة لنا عليه؛ فلو وُجِد خلل لظل الإنسان يشرب بلا ضابط، أو إذا لم يشرب فقد يموت بسبب عدم شعوره بحاجة إلى الماء. فليقل الإنسان: "الحمد لله"، وهو يشهد نعمة الله عليه، وقد ينسى أكثرنا هذه الكلمة؛ فضلًا عن أن نشهد هذه المعاني التي نعجز عن شكرها، ونقول كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ) (رواه مسلم) .

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة