شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

"البالون - وأكياس الرمل - والأعمدة الخراسانية!" (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة

وكذلك الطعن في ولاء الأمة وهويتها بنشر التبعية التامة لأعدائها والتشبه بها ليس فقط في ملابسها وأزيائها، بل في تفكيرها وعقيدتها وسلوكها، وكل أنماط حياتها، ومودتهم ونصرتهم والدوران في فلكهم، وتحقيق مخططاتهم، ولكن بأسماء إسلامية، وأناس منتسِبين إلى الإسلام، بل وإلى الدعوة إليه أحيانًا.

ومَن أفلت مِن هذه الشبهات الثلاث أو إحداها: فسيل الشهوات الجارف ينتظره ليغرقه في أودية سحيقة مِن عبودية المال، والجنس، والمُلك والرياسة يبيع دينه بعرض مِن الدنيا يُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، ويُصبح مؤمنًا ويُمسي كافرًا، قد اتخذ أنداد المحبة والتعظيم مِن دون الله، وصار عبدًا للدينار والدرهم والقطيفة والخميصة لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب مِن هواه.

وما أسهل قياد هذه النوعية مِن الناس إلى الحضيض الأسفل خصوصًا مع المخدرات المبثوثة بأبخس الأسعار، والسعار الجنسي، والعري والتبرج، والمواقع الإباحية، والقنوات الفضائية التي تروج لحياة الليل والسكر والإباحية، وتتسلط على طبقات كبيرة مِن شباب المجتمعات المسلمة باسم المدنية والحضارة، وخصوصًا في الطبقات المترفة التي تُعد لقيادة هذه المجتمعات، وحتى في الطبقات المطحونة تنشر فيها أنواع الرذيلة ببثها بطريقة تناسب أهلها؛ فكلا الأمرين، الفقر المنسي، والغنى المطغي مِن المهلكات.

ويوجد في مجتمعات المسلمين -بل والدعاة- مَن يسمح بالمرور لكل مِن هذه الشبهات والشهوات أو الواحدة منها، والواحدة منها كافية لتدمير المجتمع وتضييع الأمة؛ فالرافضة والصوفية والعلمانية أحصنة طروادة -وليس حصانًا واحدًا- مستعدة للهجوم على أمتنا متحالفين مع أعدائها مِن اليهود والنصارى والمشركين بما لم يعد يخفى على أحدٍ، وما كان بالأمس سرًّا يُستخفَى به صار اليوم علنًا يظهر للناظرين، وللأسف يوجد في كل فصائل العمل الإسلامي مَن يسمح بمرور أحد هذه الأحصنة متدثرًا إما بدثار الكلام العاطفي عن وحدة الأمة دون البحث عن أسباب الوحدة الحقيقية، أو بدثار الحذر مِن الفرقة والاختلاف، أو بلزوم جماعة المسلمين والسمع والطاعة لأئمتهم أو غير ذلك، فما العمل وقد كثر الخلل وزادت الزلازل والمحن؟!

أقول: لا بد مِن الأعمدة الخراسانية التي تَثبت في مواجهة الزلازل.

لا بد مِن شخصيات إسلامية صدقت في التزامها علمًا وعملاً وسلوكًا، وإيمانًا وإسلامًا وإحسانًا، هذه الشخصيات المفقودة في الأغلب هي أعواد الحديد المسلح الذي تتثبت به بقية الطائفة المؤمنة التي قد لا نرى لها طاقة بكل هؤلاء الأعداء مثلما كان الذين يظنون أنهم ملاقو الله في جيش طالوت سببًا في تثبيت بقية الطائفة المؤمنة التي مرت بمراحل تمحيص عديدة كانت أخراها مجاوزة النهر.

قال -تعالى-: ( فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (البقرة:249-251) .

فهذه القلة الموقنة المحسنة التي تظن أنها تلاقي الله، وأمر الآخرة نصب أعينها كأن القيامة أمامها رأي عين، وحب الله قد ملأ قلوبها؛ بحيث إن يقين لقائه ورجاء الله والدار الآخرة لم يدعا مكانًا لغير ذلك مِن الإرادات كمن كانوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) .

بهذه القلة الذاكرة الداعية -فالدعاء مِن أمضى وأقوى الأسلحة- الصابرة، المتوكلة، التي تَظهر آثار أحوال قلوبها على جوارحها وسلوكها، المعتصمة على الدوام بالله -تعالى-، المؤمنة بقضاء الله وقدره، وأسمائه وصفاته، المستحضرة لمعية الله -عز وجل-، بهذه القلة ثبـَّت الله باقي المؤمنين، وكانوا مؤمنين صادقين كما قال البراء بن عازب -رضي الله عنه-: " حَدَّثَنِي أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا: أَنَّهُمْ كَانُوا عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ، الَّذِينَ جَازُوا مَعَهُ النَّهَرَ، بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلاَثَ مِائَةٍ" قَالَ البَرَاءُ: "لاَ وَاللَّهِ مَا جَاوَزَ مَعَهُ النَّهَرَ إِلا مُؤْمِنٌ" (رواه البخاري) . وهؤلاء هم أعواد الحديد المسلـَّح التي تصبح بها الأعمدة أعمدة خراسانية.

أين أنتم يا بناة الأمة، ويا أصحاب الدعوة مِن تكوين هذه الشخصيات؟! أين هي فيكم أولاً؟!

هل ما زلنا نهتم بنفخ البالون ونهمل إعداد الأعمدة وما بها مِن حديد؟!

الفتن القادمة أكثر مِن أن يحتملها بنيان ضعيف فضلاً عن أكياس رمل؛ فضلاً عن بالون هوائي.

نريد صدقًا مع الله في العلم والعبادة.

نريد صدقًا مع الله في الذكر وإصلاح القلوب.

نريد صدقًا مع الله في تهذيب الأخلاق والسلوك، وضبط المعاملات بضوابط الشرع.

نريد صدقًا مع الله في روابط الأخوة الإيمانية وتوثيق علاقات الجسد الواحد، وليس أن يظل كل واحد منا جزيرة مستقلة أو عضوًا لا يعمل في جسد فيكون محكومًا عليه بالموت.

نريد لَبِنات صالحة متراصة لتبني صفـًّا قويًّا يحبه الله.

نريد أن نتخلص مِن أهواء التفرد ونرجسية الأنانية وحب الظهور والشهرة، ولو أتى بعد ذلك الطوفان.

هل آن لنا أن نتدارك الأمر قبْل الخطر المقبل؟!

ربنا الرحمن المستعان على ما تصفون.

الصفحة السابقة