شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (30) اسم الله (الحَسِيب) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

وقال -تعالى-: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (الأنبياء: 47) . وقال -تعالى-: ( اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ . عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ) (الرعد: 8- 9) .

الوقفة الثالثة: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (الحَسِيب):

أولًا: تَرْسُخُ عقيدة أنَّ الله -سبحانه- هو (الحَسِيب) الكافي لعبده الذي لا غنى له عنه أبدًا، ولا يشاركه في ذلك أحد أبدًا، وإن ظنَّ بعض الناس أنَّ غير الله يكفيهم فهو ظن باطل، بل كل شيء لا يتم إلَّا بخلقه وأمره وتقديره -سبحانه-، وليس في الوجود شيء هو وحده كافٍ لشيء إلَّا الله -تعالى-، فإنَّه وحده كافٍ لكل شيء؛ قال -تعالى-: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) (الطلاق: 3) (1) .

ثانيًا: التعبد لله باسمه -سبحانه- (الحَسِيب) يثمر في قلب المؤمن الخوف والوجل من الله، ومحاسبة النفس، والاستعداد لهذا الحساب بالطاعات واجتناب المحرمات ومظالم العباد؛ قال -تعالى-: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (الأنبياء: 47) ، وقال -تعالى-: ( ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ) (الأنعام: 62) ، وقال -تعالى-: ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) (الكهف: 49) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) (ص: 26) .

وروي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وتزيَّنوا للعرض الأكبر". وقال ميمون بن مهران -رحمه الله-: "لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه" (الزهد لوكيع) . وقد قيل: "النفس كالشريك الخَوَّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك".

ثالثًا: إذا عرف العبد أنَّ الله هو (الحَسِيب) بمعنى: الكافي؛ فإنَّه يحصل عنده ثقة بالله -تعالى- وركون إليه وتوكل عليه؛ قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنفال: 64) ، وقال الله -تبارك وتعالى-: ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ) (آل عمران: 111) . والاستثناء هنا استثناء منقطع؛ لأنَّ الأذى ليس من الضرر.

وقال -تعالى-: ( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ) (الأنفال: 62) .

وصدق القائل:

إذا كنتَ بالله مستعـصمًا فماذا يضيرك كيد العبيد

رابعًا: دعاء الله باسمه (الحَسِيب) دعاء المسألة، ودعاء العبادة؛ قال -تعالى-: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (آل عمران: 173) .

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، في قصة المرأة التي كانت ترضع صبيها، فتكلم في المهد: ( ... أَنَّهَا رَأَتِ امْرَأَةً يَضْرِبُونَهَا، وَيُؤْذُونَهَا فِي حَالٍ مِنَ الْمَهَانَةِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهَا: تَزْنِي، فَتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ: تَسْرِقُ، وَتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ) (رواه البخاري ومسلم) . وكان آخر ما قال إبراهيم -عليه السلام- حينما أُلْقِي في النار: ( حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (رواه البخاري) . ولمَّا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ -أَيْ: إِسْرَافِيلُ- قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ، وَاسْتَمَعَ الْإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ ) فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ لَهُمْ: ( قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) (2) .

فاللهم أنت حسبنا، وأنت مولانا، وأنت نِعْم المولى ونِعْم الحَسِيب؛ فاكفنا شر الأشرار، وكيد الفجار، وشر ما طلع عليه الليل والنهار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا تظنن أنك إذا احتجت إلى طعام وشراب، وأرض وسماء، وشمس وغير ذلك، فقد احتجت إلى غيره، ولم يكن هو حسبك، فإنه هو الذي كفاك بخلق الطعام والشراب، والأرض والسماء فهو حسبك. ولا تظنن أنَّ الطفل الذي يحتاج إلى أمه، ترضعه وتتعهده فليس الله حسيبه وكافيه، بل الله كفاه إذ خلق أمه، وخلق اللبن في ثديها، وخلق له الهداية إلى التقامه، وخلق الشفقة والمودة في قلب الأم حتى مكَّنته من الالتقام، ودعته إليه وحملته عليه، فالكفاية إنَّما حصلت بهذه الأسباب، والله وحده المتفرد بخلقها، فهو وحده حسب كل أحد، وليس في الوجود شيء وحده هو حسب شيء سواه، بل الأشياء يتعلق بعضها ببعض، وكلها تتعلق بقدرة الله -تعالى-. (ينظر: المقصد الأسنى) .

(2) فائدة: حينما يقول الإنسان: حسبي الله، ونعم الوكيل: هل هذا دعاء، أم إخبار؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية