تجديد الإيمان بآيات الرحمن من سورة البقرة (6)
أحمد حرفوش • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ثنَّى الله -تعالى- بتمثيل آخر للمنافقين زيادة في الكشف والإيضاح فقال: ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ )، والسماء في اللغة: كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، ويسمَّى المطر سماء لنزوله من السماء، وقد شبه الله الإسلام بالمطر؛ لأن القلوب تحيا به كحياة الأرض بالماء. والمعنى: أن مثلهم في حيرتهم وترددهم كمثل قوم أصابهم مطر شديد، أظلمت له الأرض، وأرعدت له السماء، مصحوب بالبرق والرعد والصواعق، ( فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ) أي: في ذلك السحاب ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطف.
( يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ ) أي: يضعون رءوس أصابعهم في آذانهم لدفع خطر الصواعق، وذلك من فرط الدهشة والفزع كأنهم يظنون أن ذلك ينجيهم ( حَذَرَ الْمَوْتِ ) أي: خشية الموت من تلك الصواعق المدمرة ( وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ) جملة اعتراضية أي: والله -تعالى- محيط بهم بقدرته، وهم تحت إرادته ومشيئته لا يفوتونه، كما لا يفوت من أحاط به الأعداء من كل جانب ( يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) أي: يقارب البرق لشدته وقوته وكثرة لمعانه أن يذهب بأبصارهم فيأخذها بسرعة ( كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ) أي: كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه ( وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ) أي: وإذا اختفى البرق وفتر لمعانه وقفوا عن السير وثبتوا في مكانهم.
وفي هذا تصوير لما هم فيه من غاية التحير والجهل، فإذا صادفوا من البرق لمعة -مع خوفهم أن يخطف أبصارهم- انتهزوها فرصة فخطوا خطوات يسيرة وإذا خفي وفتر لمعانه وقفوا عن السير، وثبتوا في أماكنهم خشية التردي في حفرة ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ) أي: لو أراد الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم وذهب بأسماعهم، وفي ضوء البرق فأعماهم وذهب بأبصارهم.
( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أي: إنه -تعالى- قادر على كل شيء، لا يعجزه أحد في الأرض ولا في السماء.
قال ابن جرير -رحمه الله-: "إنما وصف -تعالى- نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع؛ لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قادر".
ونكمل في العدد القادم إن شاء الله -تعالى-.
