شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (273) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (13)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

فلذا استأثر الله -سبحانه- بالحمد، ومَن حُمِد مِن عباده المخلوقين فلما أعطاه الله -عز وجل- من كمالات نسبية بالنسبة إلى غيرهم من البشر، لا بالنسبة إلى صفات الكمال لله -عز وجل-، بل لو قورنت هذه الصفات بما لله -عز وجل- لظهرت كأنها الضد.

فعِلْم البشر إلى عِلْم الله جهل، وعدل البشر إلى عدل الله ظلم إذا كان الحكم من عند أنفسهم، لا أن يحكموا بحكم الله، وقدرة الإنسان بالنسبة إلى قدرة الله عجز، وغنى البشر بالنسبة إلى غنى الله فقر.

وقوله -عز وجل-: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) هي كلها جملة واحدة، فالمؤمن يثني على الله -عز وجل- بإلهيته أولًا: "الحمد لله"؛ فاسم الله دال على إلهيته، ثم بالربوبية للعالمين كلهم لجميع المخلوقات، فكل خَلْق منها عالَم، وهو -عز وجل- ربهم جميعًا، ثم يثني عليه بصفة الرحمة العامة فيثني عليه باسم الرحمن، والرحمة الخاصة لأهل الإيمان فيثني عليه باسم الرحيم، ثم يثني عليه بصفة المُلْك والمِلْك على القراءتين: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) و( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ).

والعبد يستحضر في ثنائه على الله -عز وجل- بإلهيته وربوبيته ورحمته وملكه: أن ذلك يجمع بين الثناء عليه بالحسن والإحسان معًا، فكل واحد من هذه الأسماء الحسنى فيه من الكمال وفيها الإحسان؛ لأن معنى الإلهية أنه الإله الحق وحده -عز وجل- المستحق للعبادة، هذا معنى كمال، وهو أنه متفرد بالإلهية لا إله إلا هو. وفيه معنى الإحسان؛ لأن أعظم إحسان إليك أن تعرفه إلهًا واحدًا، وهذا الذي فَطَر الله الخلق على أن يتلذذوا به، وأن يجدوا السعادة فيه، وأن يستريحوا ويطمئنوا به؛ فأعظم إحسان في أنه المتفرد بالإلهية، وأنه وفقك أيها المؤمن أن تعبده إلهًا واحدًا، وذلك من فضله عليك وعلى الناس ولكنَّ أكثر الناس لا يشكرون، كما قال يوسف -عليه السلام-: ( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ) (يوسف: 38) .

فتأمل هذه لتعلم أنك تشكره على إلهيته، فقد أحسن إليك أن لم يجعلك عبدًا لعبيد، ووفقك أن تكون عبدًا له وحده، فتجد لذة وراحة في الإيمان لا تجدها في غيره أبدًا، ولا يجدها غيرك في أي لذة من لذات الدنيا، ولا تساويها لذة من لذات الدنيا.

فأعظم راحة للإنسان في أن يعبد الله وحده؛ لذة من كلِّ وجهٍ من جهاته: فله الحمد -عز وجل- أنه تفرَّد بالإلهية، وله الحمد على إحسانه إلينا وإلى الناس أن لم يجعلنا نُشْرِك بالله شيئًا. فدعوة الخلق إلى أن يشهدوا الرزق وأن يشكروا له ليفتح لهم الباب، فإذا شكروه ولم يكفروه وذاقوا حلاوة الشكر والعبادة، شكروه على ما هو أعظم من تفرِّده -عز وجل- بالإلهية والربوبية، وبذلك عَلِموا قَدْر النِّعَم التي في الدِّين والتوحيد والإيمان.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة