شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (275) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (15)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وإنما عمدة عمل إبليس على إخراج العباد عن الشكر، كما قال -تعالى- عنه: ( وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) (الأعراف: 17) . وهذا هو ظن إبليس الذي صَدَّق عليهم كما قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (سبأ: 20) . ( ظَنَّهُ ) أي: في كونهم لا يشكرون، ولو شكروا نعمة الله لقادهم ذلك إلى التوحيد والإيمان.

وشكر نعمة الله هو أحد أركان الإيمان، وإذا لم يشكر الإنسان ربه -عز وجل- "ولو بقلبه" لم يكن مؤمنًا أصلًا، بأن رأى -مثلًا- أن الله لم يُنعم عليه، وأنه استحق ذلك بنفسه، وأن هذا كان لا بد وأن يحصل له، وأنه لو لم يفعل الله به ذلك لظلمه -والعياذ بالله-.

فمَن لم يَرَ فضل الله ونعمته عليه لم يكن مؤمنًا ولم يكن مُقِرًّا بأن الإله هو المتفضِّل بالكمال والإنعام والإحسان، بل من رأى نفسه مستحقًّا -رغمًا عن الله- هذه النِّعَم لم يكن مسلمًا أصلًا، فزوال الشكر من القلب بالكلية، يعني زوال العبودية بالكلية وحصول الكفر به؛ لأن الكفر ضد الشكر كما تدل عليه هذه الآيات، فإذا زال الشكر بالكلية زال الإيمان بالكلية، وحصل الكفر الكامل المطلق -والعياذ بالله-.

الفائدة الخامسة عشرة:

قوله -تعالى-: ( إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ): هذا فيه الإيمان باليوم الآخر مقترنًا مع الإيمان بالله وعبوديته، ولا تُقْبَل من عبد عبادة إلا وهو يؤمن بالرجوع إلى الله، وأنه لا بد وأن يقف بين يدي الله -سبحانه وتعالى- يوم القيامة، ومَن لم يؤمن بالقيامة كفر؛ قال الله -عز وجل-: ( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ) (التغابن: 7) .

فمَن لم يعمل ليوم القيامة لم يكن مسلمًا: وقد سألت عائشة -رضي الله عنها- رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن ابن جدعان، وكان يصل الرحم ويطعم الطعام فهل ينفعه ذلك؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (رواه مسلم) ، فلا بد أن يكون الإيمان بالله مقترنًا بالإيمان باليوم الآخر، ومن لم يؤمن بالبعث أنكر قدرة الله -سبحانه وتعالى-؛ ولذلك يكون كافرًا -والعياذ بالله-.

ثم تَذكُّر اليوم الآخر يجعل العبد يعمل الأعمال الصالحة، ويترك ما نهى الله -عز وجل- عنه، وهذا من أكثر ما يكون في القرآن والسُّنة؛ قال الله -عز وجل-: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ... ) (البقرة: 177) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) (رواه البخاري، ومسلم) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ) (رواه البخاري، ومسلم) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

وجَمْع ذلك يشق إحصاؤه؛ لذلك الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل الصالح وترك ما يغضب الله -عز وجل-، والإيمان يقتضي الطاعة والعمل لأجل الفوز بالجنة والنجاة من النار.

وأعظم من ذلك: النظر إلى وجه الله -عز وجل- وسماع سلامه وكلامه، والفوز برضوانه، وكل ذلك من الإيمان باليوم الآخر وبالرجوع إلى الله -سبحانه وتعالى-.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة