شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (33) اسم الله (الحَمِيد) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "الحمد كله لله رب العالمين... فإنه المحمود على ما خلقه وأمر به ونهى عنه، فهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم، وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار والملائكة وعلى خلق الرسل وأعدائهم، وهو المحمود على عدله في أعدائه كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه، فكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده؛ ولهذا سبح بحمده السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده" (طريق الهجرتين) .

الوقفة الثالثة: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (الحميد):

أولًا: زيادة محبة الله -عز وجل-، فإن ذلك مقتضى الرضا عن الله، وهو الذي يثمر الحمد لله في كل الأحوال. وهذه المحبة بدورها ستثمر عبوديات أخرى في القلب، كالإخلاص لله -تعالى- والحياء والأدب مع الله -عز وجل- وعبوديات اللسان والجوارح بالقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، والتقرب إليه بطاعته.

ثانيًا: كثرة ذكره -سبحانه- وشكره، وبخاصة بالأذكار التي تتضمن حمده -سبحانه-، عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ) (رواه مسلم) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ -أَوْ تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (رواه مسلم) . وقال: ( وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ) (رواه مسلم) . وعن أنس -رضي الله عنه- أن رجلًا جاء فدخل الصف وقد حفزه النَّفَس فقال: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ). فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاته قال: ( أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ ) فَأَرَمَّ القوم فقال: ( أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا ). فقال رجل: جئت وقد حفزني النَّفَس فقلتها، فقال: ( لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا ) (رواه مسلم) .

ثالثًا: الرضا بأقدار الله المؤلمة؛ لأنه الحميد في أفعاله، وفعله -سبحانه- كله حكمة، وخير للعبد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) (رواه مسلم) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

خاتمة:

- الحذر من إلف النعم الذي ينسي شكر الله وحمده، فعن جابر -رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: ( لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ، قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

- شكر النعم نوع من الحمد، وسبب لرضا الحميد -سبحانه- وزيادة إنعامه: ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) (النحل: 53) . وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ) (رواه مسلم) . وقال الله -تعالى-: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم: 7) .

فاللهم ألهمنا حمدك وشكرك، واجعلنا من عبادك الشاكرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هل الحمد هو الشكر؟ الجواب: فَرَّق أهل العلم بينهما، فقالوا: إن الشكر أعم من جهة أنواعه، فهو يكون باللسان والقلب والجوارح، وأخص من جهة متعلقاته فيكون على نِعَم قريبة تَجِدّ أو نقمة تندفع. أما الحمد فهو أعم من جهة متعلقاته، فهو تناول النعم السابقة وغيرها، ويتضمن حمد الله -تعالى- على أسمائه وصفاته وأفعاله، كما أنه أخص من جهة أنواعه، فهو يقع بالقلب واللسان، فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس. والعبد يحمد الله -عز وجل- في السراء والضراء؛ لأن فعله -سبحانه- كله حكمة، وخير للعبد. (ينظر: مدارج السالكين) .

الصفحة السابقة