شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (276) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (16)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

- والبعض يقرأ التاريخ ويفسِّره التفسير المادي؛ الذي لا يجد فيه إلا صراع الطبقات والمال والسلطة، وثورات الجماهير والعمال، وحروب الملوك والعبيد، واحتلال الدول لبعضها البعض، وقسوة الشعوب على بعضها، ومنهم من يأخذ من ذلك صراع الطبقات، ومنهم من يقول: إن رأس المال لا بد أن يسيطر ويستعبد كل من تحت أصحابه، وهذه طريقة النظر الرأسمالية التي عَمَّت الغرب في أوروبا وأمريكا، وأذاقوا الأمم المستعبَدة ألوان العذاب، وانتفعوا بثرواتهم وتركوهم في الفقر والمرض والجهل.

- ومنهم من يرى من خلال نظرته للتاريخ لزوم سيطرة الطبقة العاملة من العمال أو الفلاحين، وأن تَسحق هذه الطبقة عند تسلُّطها طبقات الأغنياء والرأسماليين والإقطاعيين والأباطرة، وتقضي عليهم لتحقيق الشيوعية المزعومة التي لم تُطَبَّق قط، بل حلَّ الحزب الشيوعي أينما كان وقادته مقام طبقات الرأسماليين والإقطاعيين، واستأثروا بالمال والسلطة، وأنواع اللذات.

- أما أهل الإسلام: فيقرؤون التاريخ من خلال النظر في الصراع بين الحق والباطل مِن أول نشأة الإنسان وعداوة إبليس له حتى تسبَّب في إهباطه إلى الأرض، ثم في كل زمان يرسل الله الرُّسُل وينزل عليهم الكتب، ويأمرهم بالدعوة إلى التوحيد واتباع الرسل، ويجعل لهم أعداءً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غُرورًا؛ تركوا أصلهم الإنساني وتحوَّلوا إلى أتباع إبليس، شياطين ربما قُدِّموا على شياطين الجن! وكذبوا الرسل وعَذَّبوا أتباعهم واضطهدوهم أشد الاضطهاد، وبعضهم قتل الرسل وقتلوا أتباعهم، أو أخرجوهم من ديارهم وأخذوا أموالهم، فصبر الرسل وأتباعهم حتى جاءهم نصر الله القريب؛ قال -عز وجل-: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) (البقرة: 214) .

ومِن الرسل مَن نصرهم الله بآياتٍ من عنده: كنوح -عليه السلام- نصره الله بالطوفان، وهود -عليه السلام- نصره الله بالريح الصرصر العاتية التي أرسلها على قومه بعد نجاته ونجاة المؤمنين: ( سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) (الحاقة: 7) ، ونصر الله -عز وجل- صالحًا -عليه السلام- على قومه ثمود بالصيحة التي أخمدتهم وأسكتتهم ودمرتهم، ونصر شعيبًا -عليه الصلاة والسلام- على أهل مدين برجفة وصيحة هائلة أخمدتهم، وأرسل الله -عز وجل- عليهم كِسَفًا من السماء: ( عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (الشعراء: 189) ، وأهل قرى لوط -عليه الصلاة والسلام- بأن جَعَل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، لما أصروا على عمل فاحشة الشذوذ، دمَّر الله أمثالهم.

ومِن الرسل مَن أُمِرُوا بالقتال: كموسى وهارون -صلى الله عليهما وسلم-، ويوشع بن نون -عليه السلام- من بعدهما، وكذلك داود وسليمان -صلى الله عليهما وسلم-، ثم أمر الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالدعوة والصبر على أذى المشركين، وأمر أتباعه بالصبر وأن يكفوا أيديهم، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ثم يسر الله له أمر الهجرة ومكَّن له لإقامة دولة الإسلام في المدينة، وهنا شَرَع الله له القتال متدرجًا إذنًا ثم أمرًا بقتال مَن قاتله ثم أمرًا بقتال الناس كافة في الأرض كلها، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَتِ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

ونصره الله بالسنان على مَن عاداه ووعد أمته بالتمكين في الأرض بشرطه: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (النور: 55) . وقال -سبحانه وتعالى-: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) (الحج: 41) .

ونحن نعيش حلقة من حلقات هذا الصراع، ويحدث معنا ما حَدَث مع الأمم من قبلنا ولأمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- عبر تاريخها، ونستعمل الوسائل التي استعملها الرسل؛ كلٌّ حسب ظروفه وطاقته وقدرته، وحسب مراعاة المصالح والمفاسد، مِن الدعوة مع الصبر والعفو، والدعوة مع القتال إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وإلى الله عاقبة الأمور.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة