شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (277) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (17)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وقضية البعث بعد الموت قرينة الإيمان بالله في الكتاب والسنة، وفي بعض طرق حديث جبريل -عليه السلام- حين سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان فقال فيه بعد ذكر أركان الإيمان: ( وَأَنْ تُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) ، وأساس الإيمان بالمحاسبة والثواب والعقاب في الدار الآخرة، هو التصديق بالبعث بعد الموت؛ ولذا يجب على المؤمن والداعي إلى الله -عز وجل- أن يتذكر وأن يذكر الناس بهذه القضية حتى يُعِدُّوا ليوم البعث عدته، ويعملوا ليوم الحساب والجزاء، والثواب والعقاب؛ ولذا قال -تعالى- بعدها: ( يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ) (العنكبوت: 21) .

وهذه الفائدة الثامنة عشرة:

فغاية الإيمان بالبعث والنشأة الآخرة هي الإيمان بالثواب والعقاب؛ ولذا نزَّه نفسه -سبحانه وتعالى- عمن يعتقد أنه خُلِق عبثًا وأنه لا يُحَاسَب، فقال -عز وجل-: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) (المؤمنون: 115- 116) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) (القيامة: 36- 40) .

وقد فسَّر السُّدَى غير واحد من السَّلف بأنه: لا ثواب ولا عقاب، وذِكْر الثواب والعقاب والعذاب والرحمة في هذه الآية معلَّق على مشيئة الله -عز وجل-، وهو قد أخبرنا في آيات كثيرة أنه يعذِّب الكافرين والمنافقين والظالمين والفاسقين، ويرحم المؤمنين المسلمين المتقين المحسنين؛ فذِكْر المشيئة من تحقيق مقام الافتقار إلى الله، فلا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًّا في الدنيا والآخرة، ولا نملك نجاة من العذاب، ولا فوزًا بالثواب والرحمة، وإنما الأمر بمشيئة الله -سبحانه- وإن كان بيَّن لنا مشيئته في المواضع الأخرى، فالعذاب على مَن كذب وتولى، والرحمة هي لمن آمن بالله ورسله وعمل صالحًا، ولكن لكي لا يظن العبد أنه يستحق الرحمة والنجاة من العذاب استحقاق مقابلة أو أن بيده أن ينجو، فكان ذكر مشيئة الله -سبحانه وتعالى- في هذا الموضع؛ ليفتقر العبد إلى الله، ويعلم حقيقة قوله -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (فاطر: 15) .

فعلينا أن نأخذ بأسباب الرحمة والنجاة من العذاب، متوكلين على الله مفتقرين إليه، نعلم كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمُ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ )، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ) (رواه البخاري ومسلم) .

نسأل الله -عز وجل- رحمته وأن ينجينا من عذابه والله المستعان.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة