الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (36) اسم الله (الخَبِير) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
أولًا: مَن عَلِم أن الله (خَبِيرٌ) بأحواله، يعلم ما تضمره القلوب وتخفيه الصدور من نيات وضمائر وسرائر. احترز في أقواله وأفعاله، محاسبًا نفسه على كل صغيرة وكبيرة، مستشعرًا مراقبة (الْخَبِير) له في جلواته وخلواته، قال -تعالى-: ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) (الأنعام: 73) ، وقال -تعالى-: ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) (غافر: 19) ، وقال -تعالى-: ( وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) (الإسراء: 17) .
ثانيًا: الرجوع إلى الله (الْخَبِير) بكل شيء، فإن العبد إذا احتار في أمر استشار الخبير المتخصص وصدر عن رأيه؛ فكيف بمَن أرجع أمره كله لله (الْخَبِير في كل شيء)؟! قال الله مادحًا نفسه: ( الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) (الفرقان: 59) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) (فاطر: 14) .
وقال جابر -رضي الله عنه-: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: ( إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الْأَمْرَ ثُمَّ يُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ ) (رواه البخاري) .
ثالثًا: الرضا والتسليم لله (الْخَبِير) في تدبيره وشرعه، أو قضائه وقدره، ليقينه أنه المَلِك (الخَبِير)، القادر القدير، القابض على نواصي الخلق، والمتولي شؤون المُلْك، وتيقنه مع ذلك أنه الحكيم في أفعاله، وأنها لا تخرج عن العدل والحكمة والفضل والرحمة؛ قال -تعالى-: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (القمر: 49) ، وقال: ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ) (الأحزاب: 38) ، وقال: ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) (الفرقان: 2) ، وقال: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) (يس: 12) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ) (رواه مسلم) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخبرة أبلغ من العلم؛ لأنها علم وزيادة، فالخبير بشيء هو من علمه وقام بمعالجته وتبيَّن خصائصه وجربه وامتحنه، فأحاط بتفاصيله الدقيقة، وأدرك حقيقته، وألَمَّ بأصل مكوناته، فالعلم نظري، والخبرة عملية؛ فالخبير بالضرورة عليم يقال فلان يقصد به أحد العلماء خبير بهذا الأمر، وفلان أخبر من فلان، أما العليم فليس بالضرورة أن يتضمن بعلمه خبرة.
