شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المعيار الذي ضاع.. فضاعت معه الأمانات

مستور عياد • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى- على لسان ابنة العبد الصالح: ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) (القصص: 26) .

فأحيانًا تُلخِّص آية واحدة ما تعجز عنه عشرات الكتب؛ فهذه الكلمات الأربع ليست مجرد وصف لموسى -عليه السلام-، بل هي الميزان الذي تُوزَن به الكفاءات، وتُسنَد به المسؤوليات، وتُبنى به الأمم. ولو فتشت عن سبب كثير من صور الفشل في المؤسسات والشركات والبيوت، بل وحتى في بعض الأعمال الدعوية، لوجدت أن هذا الميزان قد اختلَّ.

فمن الناس: مَن يُقدِّم القوة ولو كانت مجردة من الأمانة، فيُسلِّم المسؤوليات إلى أصحاب المهارات، ثم يُفاجأ بالخيانة، أو الظلم، أو استغلال النفوذ.

ومنهم: مَن يُقدِّم الأمانة وحدها، فيضع الرجل الصالح في عمل لا يحسنه، فيضيع الحق بسبب العجز، لا بسبب الخيانة. أمَّا القرآن فلم يجعل الاختيار لهذا ولا لذاك، وإنما جمع بين الوصفين في عبارة واحدة: ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) (القصص: 26) .

فـ"القوة" هي الكفاءة التي تؤهل صاحبها للقيام بالمهمة؛ علمًا، وخبرةً، وحُسن تدبير، وقدرةً على الإنجاز واتخاذ القرار. وأمَّا "الأمانة" فهي أن يستعمل تلك القوة فيما يُرضي الله، فيحفظ الحقوق، ويؤدي الواجب، ولا يبيع ضميره بمنصب ولا بدنيا؛ ولهذا لما طلب أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه- الولاية، قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) (رواه مسلم) .

كان أبو ذر -رضي الله عنه- من أفضل الصحابة دينًا وصدقًا، ومع ذلك لم يُولِّه النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن صلاح الإنسان لا يعني أنه صالح لكل منصب، فلكل مسؤولية كفاءتها، ولكل عمل أهله؛ ولهذا قال ابن تيمية -رحمه الله- في السياسة الشرعية: "الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة، كما قال تعالى: ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ )".

ولم يكن هذا الميزان خاصًّا بموسى -عليه السلام-؛ فهذا يوسف -عليه السلام- يقول لملك مصر: ( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) (يوسف: 55) ؛ فحفيظ تعني الأمانة، وعليم تعني القوة والكفاءة. وهذا جبريل -عليه السلام- يصفه الله بقوله: ( ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) (التكوير: 20- 21) . فالقوة بلا أمانة قد تهدم أمة، والأمانة بلا قوة قد تعجز عن بنائها؛ ولهذا كانت أعظم القيادات في القرآن هي التي جمعت بين الكفاءة الخُلُقية والكفاءة العملية.

إننا اليوم لا نعاني دائمًا من قِلَّة الإمكانات، بقدر ما نعاني من اختلال الميزان؛ فكم من منصب أُعطي لقريب لا لكفء! وكم من مسؤولية أُسندت لصاحب شهرة لا لصاحب خبرة! وكم من أمين أُقصي لأنه لا يملك واسطة! وحين يضيع هذا المعيار، تضيع معه الأمانات، وتتأخر الإنجازات، ويشيع الظلم، وتُهدَر الطاقات.

فإذا أردت أن تكون من أهل هذه الآية، فلا تكتفِ بصلاح القلب، بل قوِّ علمك، وأتقن مهنتك، وطوِّر مهاراتك؛ فإن الله يحب أن يرى عباده قائمين بما كُلِّفوا به على أكمل وجه. وفي الوقت نفسه، لا تجعل مهارتك سببًا للكبر أو الخيانة، بل اجعلها وسيلةً لخدمة الناس، وابتغاء مرضاة الله.

وفي النهاية: قبل أن تطلب منصبًا، أو تقبل مسؤولية، أو تسعى إلى عمل، قف مع نفسك وقفة صدق، واسألها: هل أنا قوي على هذا العمل؟ ثم اسأل السؤال الذي سيُسأل عنه كل مسؤول يوم القيامة: وهل أنا أمين عليه؟ فإن اجتمع الوصفان في عبدٍ، فقد حاز شهادةً من القرآن بأنه مِن "خير مَن يُستأجر".