شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

كيف يستفيد الإمام وطالب العلم من الذكاء الاصطناعي دون التفريط في الأمانة العلمية؟

علاء السعداوي • مع الدعاة

ضوابط للانتفاع به في البحث والكتابة والترجمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أصبح الذكاء الاصطناعي من الوسائل التي يمكن أن ينتفع بها الأئمة وطلبة العلم في البحث والكتابة والترجمة وإعداد الدروس. وليس من الحكمة رفض وسيلة نافعة لمجرد حداثتها، كما ليس من الأمانة العلمية الاعتماد على مخرجاتها دون تحقق ومراجعة.

والقاعدة التي ينبغي أن تضبط استعمال هذه التقنية هي: أن تكون وسيلة لخدمة العلم، لا بديلًا عن تحصيله، ولا مرجعًا مستقلًّا في تقرير أحكامه.

ومن أهم الضوابط التي ينبغي مراعاتها ما يأتي:

أولًا: الاستعانة به في البحث دون تفويضه في النظر العلمي: يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في ترتيب الأفكار، وصياغة أسئلة البحث، وتحديد جوانب المسألة، واقتراح المصادر والموضوعات ذات الصلة، لكن لا بد لطالب العلم من أن يتولى بنفسه تصور المسألة، وتحرير محل النزاع، والرجوع إلى المصادر الأصلية، وفهم الأدلة وأقوال العلماء.

فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا يصح بناء حكم شرعي على تصور لم يتحقق الباحث من صحته.

ثانيًا: عدم الاعتماد على مخرجاته في الاستدلال والترجيح والفتوى: قد يعرض الذكاء الاصطناعي أقوالًا فقهية، أو يقترح وجهًا للاستدلال، أو ينبِّه إلى اعتراضات محتملة، لكنه قد يخطئ في نسبة الأقوال، أو فهم النصوص، أو تصوير الخلاف؛ لذلك يجب التحقق من صحة الأدلة والنقول، وسلامة وجه الاستدلال، وفهم محل الخلاف، قبل اعتماد أي نتيجة. ولا يجوز أن يُجعل جواب الآلة فتوى مستقلة، بل تُرد المسائل الشرعية إلى أهل العلم المؤهلين.

ثالثًا: المحافظة على حقيقة الجهد العلمي ونسبته: يجوز الانتفاع به في تحسين العبارة، وترتيب الملاحظات، وتحرير مسودة لغوية انطلاقًا من مادة علمية أعدَّها الباحث وفهمها.

أما أن يتولى إعداد البحث وجمع مادته واستدلالاته واستخراج نتائجه، ثم ينسب الباحث ذلك كله إلى نفسه على أنه ثمرة تحصيله؛ فذلك إخلال بالأمانة، ولا سيما إذا خالف شروط الجهة العلمية أو متطلبات البحث.

فالمقصود من البحث ليس إنتاج صفحات مكتوبة فحسب، بل تحصيل العلم، وتنمية الملكة العلمية، والقدرة على الفهم والاستدلال.

رابعًا: مراجعة الترجمة ومقابلة النص بالأصل: يمكن للذكاء الاصطناعي أن ييسر ترجمة المقالات والبحوث والنصوص الأجنبية، لكن ترجمته قد تخطئ في المصطلحات الشرعية، أو تخل بالمعنى، أو تتجاوز سياق الكلام.

ولهذا لا بد من مراجعة النص المترجم ومقابلته بالأصل، والتثبت من دقة المعاني، وخاصة في ترجمة القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وكلام العلماء. ولا ينبغي نسبة ترجمة مولدة آليًّا إلى مترجم بشري على خلاف الحقيقة.

خامسًا: التحقق من كل ما يُنشر: قد ينتج الذكاء الاصطناعي عبارة بليغة تتضمن معلومة غير صحيحة، أو حديثًا لا يثبت، أو قولًا منسوبًا إلى عالِم لم يقله، أو إحالة إلى مصدر لا توجد فيه المعلومة.

ومِن ثَمَّ فالمراجعة النهائية ليست تدقيقًا لغويًّا فقط، بل تحقيق علمي يشمل النُّقول والمصادر والأدلة والنتائج. ولا يُنشر كلام شرعي لمجرد أن الآلة صاغته بأسلوب مقنع.

سادسًا: مراعاة الخصوصية وشروط الاستخدام: ينبغي للأئمة والمفتين ألا يُدخلوا في أدوات الذكاء الاصطناعي أسرار المستفتين، أو بياناتهم الشخصية، أو تفاصيل قضاياهم الخاصة، إلا بعد التحقق من ملاءمة الأداة لحفظ تلك المعلومات، ومراعاة الضوابط الشرعية والنظامية ذات الصلة؛ كما ينبغي الالتزام بشروط المؤسسات العلمية، والإفصاح عن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي حين تطلب ذلك الجهة العلمية أو تقتضيه الأمانة في نسبة العمل.

سابعًا: ألا تكون سهولة الوصول إلى الجواب سببًا في ضعف التحصيل: طلب العلم ليس مجرد الوصول إلى معلومة، بل هو فهم النصوص، ومعرفة مناهج العلماء، والتدرج في التعلم، وتنمية القدرة على التمييز والاستدلال.

وقد تختصر التقنية بعض الوقت والجهد، لكنها لا تغني عن القراءة، ومجالس العلم، والمذاكرة، وسؤال أهل العلم.

وخلاصة الأمر: ننتفع بالذكاء الاصطناعي فيما يحسن فيه، ونراجع مخرجاته فيما يحتمل الخطأ، ولا نفوض إليه ما يتطلب أهلية علمية ومسؤولية شرعية، فقد يعيننا على الكتابة، لكنه لا يعفينا من مسؤولية ما نكتب؛ وقد يقترح جوابًا، لكنه لا يغني عن التحقق من دليله؛ وقد ييسر البحث، لكنه لا يغني عن طلب العلم.

نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والإخلاص والأمانة، وأن يجعل ما نستحدثه من وسائل عونًا لنا على خدمة دينه، لا سببًا في التفريط في أمانة العلم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.