شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المقهى اليساري والتحريض ضد السلفية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وعادة ما يكون أول "مـُحرَّض" هو السلطة الحاكمة، رغم أن المقهى الذي نتكلم عنه في مثالنا "خارج على النظام"، والمقهى اليساري الأعم مقهى ثوري في الأصل، إلا أنه لا مانع من إثارة قلق النظام من "ابن لادن جديد" بجوار كل مقهى، وأما المقهى اليساري الكبير فبحسبه أن يحذر النظام من الرموز الأكثر بروزاً على الساحة، ولا بأس بارتداء ثوب أصحاب النظرات الثاقبة الذين يدركون "نظرية التدسس الناعم" عند الإسلاميين لاسيما السلفيين منهم، مع أن السلفيين من أكثر الناس وضوحاً ورفضاً للحلول الوسط من الناحية الفكرية، فأين التدسس الناعم إذن؟َ!

وأما من ناحية الوصول إلى السلطة، فلا أدري هل يدرك الحرافيش أن نظرية الانقلابات نقلها بعض الإسلاميين عن الثوريين والاشتراكيين، ثم رجع معظمهم عنها -بفضل الله-، ودونوا ذلك وسجلوه في الوقت الذي لم يصدر عن الحرافيش أي دراسة من أي نوع فضلاً عن تراجع أو مراجعة لفكرة الصدام عند اليساريين وإلى أي طريق سوف تذهب.

وأما السلفيون فلم يأخذوا بها حينما كانت هي الموضة إعمالاً لقواعد شرعية ليس هذا مجال ذكرها فكيف يعملون بها الآن؟!

مرة أخرى نترك المقهى اليساري الكبير إلى ذلك المقهى الصغير الذي يحاول منع توسيع قاعدة المسجد، فعلى الرغم من أن عدداً لا بأس من رواد هذا المقهى يُستأجرون لمواجهة الإخوان في الانتخابات، إلا أنه لا مانع من تقديم شكوى إلى عضو مجلس الشعب عن الإخوان المسلمين من أن هذا المسجد يوجد به هؤلاء الذين يحرمون الانتخابات ويمنعون الناس من الذهاب إليها.

مع أن السلفيين حينما يعرضون لرفضهم لخوض التجربة البرلمانية لا يسبون ولا يشتمون ولا يلفقون التهم لأفراد جماعة الإخوان، فقط يذكرون المبررات الشرعية والواقعية التي تجعلهم يفضلون العمل الدعوي على عمل سياسي من أهم شروطه المفروضة واقعاً التعامل مع الحرافيش إما تحالفاً وإما مواجهة.

والحال في المقهى اليساري الكبير لن يختلف كثيراً عن حال هذا المقهى الصغير في محاولة التحريض والتحريش بين الاتجاهات الإسلامية، حتى في القضايا التي قـُتِلَت بحثاً وعلم كل فريق ما عند الآخر من حجج وبراهين.

بالعودة مرة أخرى إلى ذلك المقهى الصغير فلا يبعد أن يناشد كنيسة الحي التدخل لعرقلة توسيع المسجد؛ لأن به هؤلاء الذين يكفرون النصارى مع أن هؤلاء الذي يكفرون النصارى قلما يحدث بينهم وبين نصراني نزاع لالتزام كل منهم حده، بينما في المقهى يجلس المسلم والنصراني يلعبان الطاولة فإذا اختلفا على من الرابح ومن الخاسر سب هذا دين ذاك، وذاك دين هذا مما قد يجر إلى ما لا يحمد عقباه.

والأمر في المقهى اليساري الكبير أكثر خطورة حيث الدعوة الدائمة إلى كسر التابوهات لاسيما تابوه الدين، فربما أراد أحدهم أن يثبت يساريته فتنقص دين الآخر لا بغرض الدعوة ولا البيان ولا المجادلة بالتي هي أحسن، بل لمجرد الخروج على المألوف فيجر هذا إلى ما لا يحمد عقباه، وإن كان من باب إحقاق الحق نود أن نشير إلى أن الحرافيش اليساريين وإن كانوا يدعون ليل نهار إلى كسر تابوه الدين إلا أنهم لا يكادون يطبقون ذلك إلا مع الإسلام حتى أن أحد كبار ممثليهم له فيلم الآن يعرض فيه لقضية الوحدة الوطنية، حرص قبل أن يخطو فيه أي خطوة أن يأخذ رأي الكنيسة بينما ظل فيما يخص أمر الإسلام يرفع شعار: "لا دين في الفن ولا فن في الدين" مع أن شعار النصرانية هو الذي يقول: "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، وشعار الإسلام يقول: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162) .

وعودة أخيرة إلى المقهى الصغير بعد أن استنفذ جهوده وحرض من حرض، فماذا ستكون النتيجة إن تحلى المسجد بالصبر ولجأ إلى الدعاء، وحرص على أن تكون النية هي الدعوة إلى الله لا إلى النفس، وحرص على توضيح الصورة، ورفض الانزلاق في الكمائن والشراك التي نصبها المقهى؟

فغالباً ما يتم للمسجد ما أراد -بفضل الله تبارك وتعالى-، وإن حدث تقصير في شيء من ذلك فغالباً ما يؤدي ذلك إلى منع التوسع المراد، بل ربما أدى إلى ما هو أسوأ من ذلك.

والأمر فيما يتعلق بالمقهى اليساري الكبير لا يخرج عن هذه القاعدة والتي بينها الله -تعالى- بقوله: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) (آل عمران:120) ، فعلى جميع الدعاة أن يتحصنوا بالصبر، ويتسلحوا بالتقوى، وأن يستمروا في بيان منهج الإسلام بشموله وعمومه دون أن يستغرقوا في الرد على أقوام يكررون نفس الشبهات في نفس القضايا على مدار قرنين أو أكثر من الزمان، مع كثرة ما كتب ودُوِّن وسُجِّل في معالجة هذه القضايا.

فلسنا في حاجة إلى أن نعيد ذلك لاسيما على صفحات جرائدهم ومجلاتهم، لاسيما مع عدم ثقتنا في دقة نقلهم، ولاسيما أن نشر هذا سيكون جنباُ إلى جنب مع الصور العارية والمقالات الماجنة.

بيد أننا لا ينبغي أن نغلق باب المناقشة بالحسنى أمام أي فرد مهما يكون، ولكن يكفي لمن كان باحثاً عن الحق أن نرشده إلى المواطن التي عالج فيها علماء الإسلام هذه الشبهات، أو حتى نجيبه هو إجابة فردية بعيداً عن المقاهي الزرقاء والصحف الصفراء.

نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.

الصفحة السابقة