ضوابط وآداب أهل العدل والإنصاف (1-2)
محمود عبد الحميد • المنهج السلفي
ومن يحبون الشهرة قد يندفعون إلى نقد الآخرين والرد عليهم، واتهامهم بما ليس فيهم، والمبالغة في التشنيع، ومرادهم من ذلك: الشهرة، وخاصة إذا كان الذي ينتقدونه عالما فذًا أو داعية مخلصًا مشتهرًا بين الناس.
ثانيًا: لا جرح ولا تعديل إلا بعلم:
فإن الجرح والتعديل هو ميزان معرفة الرجال، ولذلك فهو يتطلب معرفة شاملة وعلمًا واسعًا بكل ما يتعلق بالرجال: علمهم، وأخلاقهم، وعقائدهم، وثقافاتهم، وبيئاتهم الاجتماعية.
ولذلك وضع العلماء شروطًا لابد من توافرها في الناقد:
1- أن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية، فرب جاهل ظن الحلال حرامًا، فجرح به، بل بعضهم أوجب العلم باختلاف المذاهب، فلا يجرح مسلمًا بأمر مختلف فيه.
2- أن يلم بالعقائد والاختلاف، كما يحسن أن يطلع على الخلافات الدائرة بين الفرق، فلا يأخذ بكلام فرقة تنقم على أخرى.
3- أن يكون بريئًا من الشحناء والعصبية.
4- أن يتمتع بحاسة نقدية قادرة على التأليف بين معطيات معينة، واستنتاج النتائج منها.
6- أن يكون صادقًا ثبتًا.
ولابد من التقيد في الجرح بأمور:
1- أنه لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة، فلا يجوز التجريح بأمرين إذا حصل بواحد؛ لأن الجرح إنما شرع للضرورة والضرورة تقدر بقدرها.
2- إذا اضطر إلى ذكر مسلم بلقبه الذي لا يعرف إلا به كالأعرج؛ جاز ذلك للحاجة، وأن يكون المراد تعريفه لا تنقيصه.
فالحكم على الرجال والتعرض لنقدهم أمر مهم لا بد من التوقي منه، وأخذ الحذر والحيطة، وإن حفظ أعراض المسلمين من أقدس مقدسات الإسلام، ولو أن كل ناقد للرجال وأفكارهم وأرائهم اطلع على هذه القواعد؛ لسلمت الساحة الإسلامية من التجاوزات والانحرافات في هذا المجال.
قال ابن الصلاح -رحمه الله-: والكلام في الرجال جُوِّزَ صوناً للشريعة، ونفياً للخطأ والكذب عليها، ثم إن على الآخذ في ذلك أن يتقي الله -تبارك وتعالى- ويتثبت، ويتوقى التساهل؛ كيلا يجرح سليمًا، ويسم بريئًا بسمة سوء يبقى عليه الدهر عارها، ويلحق المتساهلَ من تساهله العقاب والمؤاخذة.
ثالثًا: أهمية التبين والتثبت قبل إصدار الأحكام واتخاذ المواقف
إن الاستعجال في إصدار الأحكام على الآخرين واتخاذ المواقف منهم، أو توجيه نقد إليهم يعرض صاحبه للزلل والخطأ، فلابد من التثبت، والأصل في ذلك قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) ، وقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ) (النساء:94) .
وقد عاب الله على المتسرعين في نقل الأقوال وإشاعة الأخبار من غير تبين، فقال -سبحانه وتعالى-: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (النساء:83) .
وتتأكد أهمية التبين والتثبت في هذا العصر الذي قل فيه العلم وضعف فيه الإيمان، وفشا فيه الهوى، وتجرأ على الكذب فيه كثير من الناس، واستخدموا أساليب الإثارة والتضخيم والتزيد والتحريف في الأخبار والتحليلات، وظهرت طوائف تعمل لغير مصلحة الإسلام، فتضرب العلماء والدعاة بعضهم ببعض، وتزرع الفتنة بين شباب الصحوة حتى ينشغلوا ببعضهم.
والتبين والتثبت من خصائص أهل الإيمان، قال ابن جرير: "وخص الله بذلك القوم الذين يوقنون؛ لأنهم أهل التثبت في الأمور، والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحة".
وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "المؤمن وقاف حتى يتبين".
وقال ابن حجر -رحمه الله-: "إن الذي يتصدى لضبط الوقائع من الأقوال والأفعال والرجال يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلا بما يتحققه، ولا يكتفي بالقول الشائع، ولا سيما إن ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في أحد من أهل العلم والصلاح، وإن كان في الواقعة أمر فادح سواء كان قولاً أو فعلاً أو موقفًا في حق المستور؛ فينبغي ألا يبالغ في إفشائه، ويكتفي بالإشارة؛ لئلا يكون قد وقعت منه فلتة، ولذلك؛ يحتاج المسلم أن يكون عارفًا بمقادير الناس وأحوالهم ومنازلهم، فلا يرفع الوضيع، ولا يضع الرفيع".
وإذا كان التبين مطلوبًا مع عموم المسلمين؛ فإنه في العلماء ألزم؛ لأن اتهام العلماء بما ليس فيهم يوقع في مفاسد جمة، منها: حرمان العامة من علمهم، وظن السوء فيهم، وكما قيل: "لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالثلب؛ ابتلاه الله قبل موته بموت القلب".
1- لابد من التأكد من عدالة ناقل الأخبار والأقوال؛ لقوله -تعالى-: ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) ، فالفاسق لا يقبل قوله، ولا يصدق خبره.
2- لابد أن يكون الناقل للقول أو الخبر ضابطًا متقنًا جيد الفهم؛ لأن هناك من المؤمنين العدول من لا يكون ضابطًا، أو يكون سيء الفهم -يفهم الكلام على غير معناه-، وإلى ذلك أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِى فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
فالمطلوب في نقل الأقوال والأخبار والفتاوى أن تنقل بنصوصها لا زيادة فيها ولا نقصان، وقد أشار ابن الوزير إلى ذلك حينما دعا إلى إيراد كلام الخصم بلفظه أولاً، ثم العرض لنقده ثانيًا، ويعلل ذلك بأن حكاية كلام الخصوم بالمعنى فيه ظلم لهم؛ لأن الخصم اختار لفظًا وعبارة ارتضاها؛ لبيان مقصده، وانتقاها لكيفية استدلاله، فلا يعدل عنها إلى غيرها.
3- التأكد من الخبر عن طريق الاتصال بقائله إن كان حيًّا، وإذا كان ميتًا فلابد من التوثيق والتثبت بالرجوع إلى كتبه ومؤلفاته ومقالاته الموثقة الصحيحة النسبة إليه.
