شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

ضوابط وآداب أهل العدل والإنصاف (2-2)

محمود عبد الحميد • المنهج السلفي

وأما إن كان الجدال لغير الحق فقد حذر الله منه، فقال -تعالى-: ( وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ) (غافر:5) ، وقال -تعالى-: ( يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ ) (الأنفال:6) ، وقال -تعالى-: ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ) (الأنعام:121).

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ: الأَلَدُّ الْخَصِمُ ) (متفق عليه).

وقال مالك بن أنس : "المراء يقسي القلوب، ويورث الضغائن".

ورحم الله الشافعي إذ قال: "ما ناظرت أحدًا فأحببت أن يخطئ".

وقال -أيضًا-: "ما ناظرت أحدًا إلا قلت: اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي؛ اتبعني، وإن كان الحق معه؛ اتبعته".

ثاني عشر: حمل كلام المخالف على ظاهره، وعدم التعرض للنوايا والبواطن:

والأصل في هذه القاعدة: قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ) (رواه مسلم).

وقوله -صلى الله عليه وسلم- لأسامة بن زيد حين قتل الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله، فلما علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنكر ذلك عليه، فقال أسامة: إنما قالها متعوذًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ ؟!) (رواه مسلم) .

فما في القلوب لا يعلمه إلا الله، هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونحن مأمورون بالأخذ بظاهر الإنسان، وظاهر كلامه.

وقال عمر -رضي الله عنه-: "إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَإِنَّ الْوَحْي قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا؛ أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيء، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا؛ لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ" (رواه البخاري).

فلا يجوز لنا أن نتهم الناس في نواياهم ومقاصدهم، وعلينا الأخذ بالظاهر، وأن نكل إلى الله السرائر؛ فهو أعلم بهم، وهو حسيبهم يوم القيامة، فإن هناك فرقًا بين المعاملة الدنيوية والأخروية، فالرجل متى أظهر الإسلام في قوله وعمله وأبطن الكفر، أو أظهر السنة وأبطن البدعة، فالحكم الدنيوي أنه مسلم وغير مبتدع، والحكم في الآخرة يختلف.

فمتى راعى الناس هذه القواعد؛ قلَّ الخلاف، وزالت الشحناء والبغضاء، وتألفت القلوب، وسعى الناس إلى الأخذ بالحق الذي مع الآخرين، واختفت النميمة وسب العلماء وتجريحهم بغير حق.

وختامًا أسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق الذي جاء به سيد الأنبياء والمرسلين.

الصفحة السابقة