هل هذا حقاً هو عصر السلفية؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ونتج عن هذا أن وجدت أنماط متعددة لكل مظهر من مظاهر الالتزام، فهذا النقاب الذي كاد أن يكون في الماضي طرازاً واحداً لا يتبدل، صار له عدة أشكال، وطريقة قص تخطت في كثير من الأحيان حدود المباح.
ومن هنا تأتي الإجابة على السؤال: هل هذا حقاً هو زمن السلفية؟
وإليك الإجابة ملخصة في نقاط:
1- هذا هو زمان العودة إلى التدين بصفة عامة.
2- أن النموذج السلفي هو الأكثر قبولاً لدى الرجل المسلم العادي؛ لأنه يطلب منه ألا يكون عبداً إلا لله، وألا يتخذ له متبوعاً سوى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن أسباب النفور من النموذج السلفي بدأت في التلاشي مع تطور أسلوب الخطاب عند الدعاة السلفيين، ومع ثبات من ثبت على الالتزام حتى زالت الوحشة بين الناس وبين مظاهر الالتزام.
وأن النموذج العقلاني يحمل في طياته أسباب سقوطه حيث يهدم كل رمز من رموز العقلانية ما بناه الآخر، بل ربما هدم الشخص الواحد في موضع ما بناه في موضع آخر.
ناهيك أن الصوفية وما هي فيه من خرافة خارج المنافسة أصلاً لاسيما في زمن يعاني الناس فيه من اللوثة المادية. أضف إلى ذلك قدرة التيار السلفي على التصدي لكل حملات التشويه والطعن في دين المسلمين بطريقة تخاطب العقل والقلب معاً، ويجد فيها عوام المسلمين ملاذاً من نيران الشكوك والشبهات التي يثيرها الأعداء.
3- ولكن هذا لا يعني أن عوام الناس صاروا سلفيين، أو أنهم يدركون تفاصيل المنهج السلفي، فكثير من المستمعين الجدد إلى السلفية لا يعرفون تفاصيل قضايا الاعتقاد التي تحتل مكانة كبيرة في المنهج السلفي، فضلاً عن أن طريقة الكثير منهم في التطبيق فيها كثير من النقص والخلل، ربما سبَّب عبئاً على السلفيين أنفسهم، كنقاب الموضة الذي ينسب إلى السلفية وغيرها.
وهذه رسالة إلى المعنيين بشأن انتشار التيار السلفي:
فأما العلمانيون فنقول لهم:
(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) (آل عمران:119) .
وأما السلفيون فنقول لهم:
أ- حقيقة لا تواضعاً، هذه الجموع ليست نتيجة لجهودنا نحن، بل نحن لم نبذل إلا القليل، ولكن هذا فضل الله على الأمة ككل.
ب- وحتى ولو فرضنا جدلاً أن هذه الجموع نتاج دعوتنا، فلا ينبغي أن نتوقف عند ذلك؛ لما في ذلك من تعريض العمل للحبوط وإيغار صدور المدعوين.
ج- هناك الكثيرون ممن لم يسمعوا بعد لا لدعاة السلفية ولا لغيرهم، بل يقال: إن حوالي 40 % من المسلمين في مصر لا يصلون الجمعة وهو أمر يستوجب البكاء بدلاً من الدموع دماً.
د- إنه مع استمرار الرفق واللين والدعوة إلى الله يجب أن ينبه من يرضون ببعض درجات الالتزام إلى أن يسعوا إلى العمل بالدين كله؛ امتثالاً لأمر الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة:208).
وأما عوام المسلمين فنقول لهم:
سوف تسمعون من هنا ومن هناك محاولة لإثنائكم عن المزيد من الالتزام بدعوى أنكم بذلك قد اتبعتم المتطرفين، وتركتم نموذج التدين الوسطي الذي تربيتم عليه إلى آخر هذه الدعاوى
فينبغي أن تنتبهوا إلى أنه طالما قد سمعتم آيات الله وأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلتم سمعنا وأطعنا فهذا السمع وتلكم الطاعة هي لله ربكم وخالقكم.
ومن أهم مزايا المنهج السلفي أنه لا يعبدكم إلا لربكم، ولا يحكم فيكم عباداً أمثالكم، حيث يمثل توضيح قوله تعالى-: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) (الأعراف:54)، أحد أهم ثوابته وأن كل منهج سوى المنهج السلفي فلابد وأن يدعوكم إلى اتباع كبراء ورؤوس هذا المنهج، يوجد هذا في أوج صوره في الأديان المبدلة التي قال الله -تعالى- في أصحابها: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) (التوبة:31) ، ويوجد قدر كبير منه لدى الاتجاهات البدعية المتأثرة بأهل الكتاب كالشيعة والصوفية كما يوجد قدر منه في الاتجاهات الإسلامية التي تدعوا الناس إلى الالتفاف حول رؤية مؤسسها أو قائدها.
كما نقول لهم: حافظوا على ما رزقكم الله من العلم والعمل به، وأضيفوا إليه غيره، ولا تقعدوا في منتصف الطريق.
ومرة أخرى نقول: مؤشر ثقافة المجتمع يتحرك نحو السلفية، وهذا في حد ذاته نعمة لا ينبغي أن نضيعها بحثاً عن انتماء ضيق لجماعات الدعوة السلفية.
وللحديث بقية حول سائر ما أحاط بالسلفية من تغييرات في الفترة الأخيرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتب/ ياسر برهامي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فلو كان وجود شريحة من المجتمع اقتربت أو تعاطفت أو حتى التزمت بمنهج معين كافيا في أن يطلق على الزمن أنه زمنها كما قالوا: "زمن السلفية"، أو كما يقول أخونا الشيخ/ عبد المنعم: "زمن العودة إلى الدين"، تخفيفا من مصطلحات التخويف والإرعاب والتحذير والتنفير، بل الاستنفار ضد السلفية، لصح بالأولى أن نقول: "هذا زمن المخدرات"؛ فإن في مصر وحدها نحو الثمانية ملايين "مدمن" للمخدرات، غير من يتناولها بلا إدمان وهو رقم بكل المقاييس يزيد على عدد المتدينين من كل الفصائل الإسلامية على اختلافها.
أو نقول: "هذا زمن الربا"، و"زمن الرشوة"، وأظن أن أعداد هؤلاء في مجتمعنا سوف تزيد على من يحافظون على الصلاة ولو في بيوتهم.
أو نقول: "هذا زمن الفساد" بأنواعه كلها، ونسأل الله العافية.
والحقيقة أن مثل هذه المصطلحات التي يستعملها البعض تؤدي إلى غرور الكثير من الملتزمين، بل والدعاة بنتائج دعوتهم مع أنها ما زالت تحبو ولم تغير في المجتمع التغيير المنشود، بل ولا جزءا منه، وتؤدي كذلك إلى استنفار جهود الأعداء لمقاومة "الغول" القادم الذي سيأكل الأخضر واليابس.
فلنعلم إخوة الإسلام أن الطريق لم يزل أمام الدعوة طويلا خصوصا في ظل غياب الشخصية المسلمة المتكاملة -إيمانا وإسلاما وإحسانا- في أكثر القطاعات الملتزمة، ولنعلم أن جهودنا في الإصلاح في داخلنا ومن حولنا لابد أن تتضاعف قبل أن نظن أن ما نراه هو ثمرة للعمل، بل ما زالت زهرة لم تتحول بعد إلى ثمرة فضلا عن أن تكون ناضجة صالحة للتناول، والله المستعان.
