الكشف الطبي قبل الزواج واستنساخ المشكلات
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
النمط الثالث وهو أشبه الأنماط بالنمط الإسلامي -من الناحية الشكلية- ويكون فيه ارتباط تحت مسمى الزواج ويتم هذا العقد في الكنيسة، وهذا النمط غير مرغوب عندهم للأسباب الآتية:
1- أنه من مظاهر تدخل فيها الدين في حياتهم وهم يريدون تقليص هذه المظاهر إلى أدنى درجة ممكنة.
2- أن الرغبة في تغيير الشريك الجنسي عند من يقنع بشريك واحد تظل هي الأكثر سيطرة على عقلية الأفراد هناك.
3- أن هذا التغيير الذي هو أسهل من تغيير المرء لحذائه في حالة الزواج غير الكنسي يتحول إلى أمر أشد من خلع الضرس، بل أشد من تحريك جبل من مكانه في حالة الزواج الكنسي نظرا لزعمهم تحريم الطلاق وعدم إباحته إلا في حالات محدودة وبإجراءات شاقة تطول إلى أعوام.
4- هذا بالإضافة إلى تحريم تعدد الزوجات على الرجال رغم أهليتهم النفسية والوظيفية لذلك مع استمرار تحريم الزواج حتى على الذي يسعى في إجراءات الطلاق الحولية التي سبق الإشارة إليها.
كل هذه التبعات للزواج الكنسي لا يقابلها أي مزايا من وجهة نظر القوم اللهم إلا قدرا من التجمل الاجتماعي، وهي من وجهة نظرهم غير لازمة إلا لعلية القوم من الساسة ونحوهم؛ ولذلك اجتهد أولو الرأي فيهم لتحذير قومهم من أنهم قد يدفعون ثمن تجملهم الاجتماعي غاليا إذا ما اكتشف أحد الطرفين عدم القدرة على الإنجاب أو اكتشف أحد الطرفين إصابة الآخر بالإيدز وهو فاش عندهم أو غير ذلك من الأحوال فكانت الدعوات التي تدعو إلى ضرورة الكشف الطبي قبل الزواج الكنسي مع بقاء جميع صور الارتباط الأخرى -"أي الزنا والعياذ بالله"- سهلة ميسورة مباحة متاحة لا يلزم فيها الطرفين إلا اتخاذ بعض التدابير الطبية المتاحة الرخيصة الثمن.
وعلى الرغم من ذلك لم تتحول الدعوة إلى إجراء الفحص الطبي قبل الزواج الكنسي إلى قوانين ملزمة في معظم البلاد الغربية فيما نعلم.
كانت هذه المشكلة وحلها عند القوم. فماذا عن المسلمين؟؟
1- دين الإسلام لا يبيح أي صورة من صور الارتباط الجنسي إلا الزواج الشرعي وكل الصور الأخرى زنا محرم حتى في حالة الاقتصار على شريك جنسي واحد.
2- ما زال هذا الأمر هو المستقر في العرف الاجتماعي في بلاد المسلمين -ولله الحمد والمنة-.
3- الزواج في الإسلام ينبغي أن يراد به التأبيد؛ وإن اتفقا الطرفان على التوقيت اعتبرا زانيين.
4- ومع أن الزواج في الإسلام يراد به التأبيد إلا أن التحلل منه متاح، وإنما شرع ذلك لحل المشكلات الناجمة عن عدم تحقيق الزواج لسعادة الأسرة ككل، وهذا الأمر بيد الرجل ابتداء وللمرأة طلبه للضرر، كما يمكن القضاء به في حالة الشجار الذي يستحيل إصلاحه، كما يمكن للمرأة أن تطلب الخلع إن لم تطق العشرة معه رغم عدم وجود عيب به يوجب طلب الطلاق.
5- أنه مستقر في العقول والأعراف عدم قدرة المرأة على أن تكون زوجة لأكثر من رجل لما في ذلك من اختلاط الأنساب على الأقل، ومستقر أيضا قدرة الرجل على التعدد فأباحه الشرع بضوابطه.
ومما سبق يتبين أن الحالات التي يراد للكشف الطبي أن يكشف عنها لا تمثل عبئا في المجتمع المسلم؛ فالايدز يكاد يكون لا وجود له وإن وجد ففي أوساط لا يخفى عليها ذلك كما أن حال صاحبها لا يخفى على أحد.
وأما العقم وما شابهه فليس مما يعوق الزواج، ولماذا لا نترك الناس يتزوجون ويحصلون على شهواتهم المباحة ثم إن قدر العقم فقد يكون قد وجد بين الزوجين من المحبة والرحمة ما يجعلهما يتغاضيان عن عاطفة حب الأولاد؟!! وربما كفلا يتيما في بيتهما يعوضهما عن عاطفة الأبوة والأمومة، وربما أبقى الرجل زوجته إن كان العقم من جهتها وتزوج عليها أخرى وبعد ذلك كله آخر الدواء الطلاق. وكل ذلك متاح في دين الله -تبارك وتعالى-، ولكن الولع بالتقليد يعمي ويصم.
وإذا كان استيراد الحلول قبيح بصفة عامة إلا أن الضرر المترتب عليه قد يكون مجرد تحمل صاحبه لأعباء ليس في حاجة إليها، وقد يبلغ أن يكون هذا المستورد قد استنسخ مشكلة الغير دون أن يدري، وما أشبه حال هؤلاء بحال السليم الذي يسئصل رئته محاكاة لمريض السرطان بل أشد إذ يخنقون رئة الفضيلة التي يجد فيها المسلم متنفسا عن شهواته ويجد فيها المجتمع بناءً لأجياله.
