شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

كيف نتذوق حلاوة الصيام (2-2)

إيهاب الشريف • التزكية

لكن هذه الليلة وبكل هذه الفضائل في شهر رمضان، فكيف يكون قدر ذلك الشهر؟ ومن عظمته وقدره أيضا تلك التغيرات التي تحصل بسبب قدومه وكأنها انقلاب كوني، فأبواب السماء تفتح ويستجاب الدعاء، وأبواب الجنة تفتح، وأبواب النار تغلق، والشياطين تسلسل وليست هذه المناقب لشهر آخر سوى رمضان، ألا فارتقب ذلك في أول ليلة من رمضان، (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) رواه الترمذي، وصححه الألباني .

فمن أراد الطاعة في هذا الشهر فسبيلها ميسور، فأقبل بكل عزيمتك لاسيما وقد سلسل عدوك الأكبر فمتى تنتصر على نفسك إن لم تستغل تلك الفرصة؟ متى تروضها؟ متى تطوعها لله -عز وجل-؟؟ فرصة وأي فرصة!!

أيضا في رمضان ثلاثون فرصة للعتق من النار، (إن لله تعالى عتقاء في كل يوم وليلة لكل عبد منهم دعوة مستجابة) رواه أحمد، وصححه الألباني ، وفي رواية: (إن لله عند كل فطر عتقاء وذلك في كل ليلة) رواه ابن ماجه، وقال الألباني: حسن صحيح . وأي فرصة للعبد مثل هذه الفرصة؟؟ اللهم أعتق رقابنا من النار.

ولك -حتى يقع منك هذا الحديث موقعه- أن تقرأ رسالة مختصرة عن النار تعرف ما فيها وتدرك قيمة العتق منها، ولتكن رسالة الحافظ ابن رجب -رحمه الله- "التخويف من النار"، وكذا تفعل نفس الفعل بالنسبة للجنة مع رسالة ابن القيم -رحمه الله- "حادي الأرواح"، وحينها تدرك قيمة العتق، وقيمة القرب، فتسارع للطاعات وتجتنب المحرمات.

وبعد،

أراني قد أطلت وخاصة في العنصر الأخير -بيان الفضائل- لكنني فعلت ذلك لأسألك أخي: بعد كل هذه الفضائل والخصائص، ماذا تقول فيمن لا يصلح في رمضان؟

ماذا تقول فيمن يقيم على كبائره وذنوبه في رمضان؟؟!!

يقول العلماء: "إذا ضعف الداعي وتم الفعل عظم الوزر، وإذا قوي الداعي وتم الترك عظم الأجر"، واستدلوا لهذه القاعدة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر) رواه مسلم ، فهؤلاء الثلاثة قد انعدمت أو ضعفت لديهم دواعي المعاصي فلما واقعوها عظمت العقوبة، وفي المقابل فمن السبعة الذين تحت العرش: (رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) متفق عليه ، وكذا الحال في رمضان؛ المعصية في رمضان ليست كمعصية في غيره.

من عصى الله في الحرم ليس كمن عصاه في بيته، ومن جاهر بذنبه ليس كمن ستر نفسه، كيف يعظم الله رمضان ويستهين به العبد؟! كيف يعظم الله رمضان ولا يوفيه العبد قدره؟! كيف تعرض عليه كل هذه الفرص ويوليها ظهره؟!

لذلك كله استحق أن يقال فيه: (بَعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له) رواه الطبراني، وقال الألباني: صحيح لغيره ، و (من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله) رواه الطبراني وابن حبان، وقال الألباني: صحيح لغيره ، و (من أدرك رمضان ولم يغفر له فدخل النار فأبعده الله) رواه ابن حبان، وقال الألباني: حسن صحيح ، ورغم أنفه، و... كل ذلك دعاء عليه من جبريل -عليه السلام- سيد الملائكة وأمَّن عليه محمد -صلى الله عليه وسلم- سيد الرسل، بل سيد البشر، فمن يحتمل هذه الدعوة؟!

ليس لك أخي سوى مخرج واحد: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32) .

وتلك التقوى هي الغاية أيضا من الصيام (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .

فهل نعظم رمضان؟ وهل نلزم جناب الحشمة فيه؟ وهل نعمره بما يحبه الله ويرضاه؟ وهل يكون منا تحفظ وتحرز عما لا يحبه ولا يرضاه؟

هذا ما نرجوه ونتمناه من الله، ومقالنا القادم -إن شاء الله- "أول مرة أصوم".

الصفحة السابقة