شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الأزمة المالية المعاصرة والحل الرباني

أحمد عبد السلام • قضايا معاصرة

15- ومن ذلك إيجاب الزكاة في أموال الأغنياء لحظ الفقراء (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ . لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج:24-25) ، (وَآَتُوا الزَّكَاةَ) ، مما له أعظم الأثر في سد الحاجة وسل وَحَرَ الصدر -الحقد والغيظ-، وإشاعة روح المودة والمحبة والتعاطف والتكافل بين أفراد المجتمع مما يشيع الأمن والاطمئنان، والحث على النفقة عامة في وجوه البر والإحسان (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (البقرة:272) ، (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران:92) .

والمسلم إذ يؤدي ذلك يعلم أن هذه الطاعة -أي الزكاة والنفقة في وجوه البر- سبب لسعادته وشرح صدره وسبب للبركة في المال وحفظه -بفضل الله تعالى- (احفظ الله يحفظك) رواه الترمذي، وصححه الألباني .

إن تطبيق هذه القواعد والضوابط كفيل -بإذن الله- لحل المشاكل الاقتصادية والأزمات المالية وغيرها، وعجب والله لمن بين أيديهم منهج الحكيم العليم اللطيف الخبير، بين أيديهم هذا النور ثم يعرضون عنه:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول

(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14) ، (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:15-16) ، فإن الكفار يعرضون عن هذا المنهج لجهلهم به، وعمى قلوبهم فما بال المسلمون يغفلون في بلادهم ومؤسساتهم ومعاملاتهم (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج:46) .

ثم إن العقود الشرعية وخاصة المضاربة والمشاركة لتمثل البديل الشرعي لهذه المعاملات المحرمة، وعقد المضاربة عقد بين طرفين: صاحب مال وصاحب خبرة؛ يشتركان هذا بماله وهذا بخبرته وعمله، والربح إن وجد بينهما على ما يتفقان كالثلث والربع والنصف، وهذا العقد جائز بالإجماع وقد عمل به الصحابة والقرون الفاضلة.

ويحرم إجماعا أن يشترط صاحب المال لنفسه مبلغا معلوما يأخذه كل مدة -إلا إذا كان من تحت الحساب-، والعامل أمين لا يضمن المال بالإجماع إلا إذا فرط أو خالف شروط العقد.

وعلينا أن نتعلم أحكام شرعنا ونعتز به، ونسعى إلى تطبيقه، ونقدمه لغيرنا نماذج عملية صالحة لهذا العمل الاقتصادي الإسلامي، ففي اتباع المنهج الرباني الخير والفلاح.

وأريد أن أوضح فرقا هاما بين العقد الربوي وعقد المضاربة الشرعية:

- العقد الربوي يضمن فيه العامل -البنك أو المؤسسة المالية- يضمن المال بغض النظر هل فرط أم لم يفرط، هل تاجر أم لم يتاجر.

- أما المضاربة الشرعية فالعامل فيها -البنك الإسلامي أو المؤسسة أو الفرد- أمين لا يضمن رأس المال.

- العقد الربوي فيه زيادة مشترطة مسبقا بنسبة من المال بغض النظر أيضا هل ربح العامل أم خسر، عمل أو لم يعمل.

أما المضاربة الشرعية فلصاحب المال جزءا مشاعا معلوم من الربح كالثلث والنصف إن وجد، وأما الخسارة فعلى المال، ويخسر العامل مجهوده.

تنبيه هام: الأموال التي تودع في البنوك تسمى ودائع، وهذه تسمية خاطئة شرعاً وعرفاً؛ لأن الوديعة لا تضمن وفي الحديث: (من أودع وديعة فلا ضمان عليه) رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني ، فالوديعة تحفظ بعينها لترد، أما القرض فيستهلك ويرد بدله فهي -أي ودائع البنوك- قروض ربوية لا شك في ذلك؛ لأنها مضمونة، بل ومضمون معها الزيادة مسبقا.

الصفحة السابقة