شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الحاسوب لا يرفعُ خلافاً، ولا يقعـِّدُ قاعدةً، ولا يقدِّرُ عاقبةً

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وقد ذكر الدكتور أنه امتحن من استطاع الوصول إليه من المعاصرين ممن صنفوا في أسماء الله في اسم "المسعر"، ولماذا لم يدرجوه في كتاباتهم، فأفاد أنه لم يلقَ إجابة شافية، وذكر أنه كلم بعضهم في الهاتف فلعلهم أعرضوا عن المناقشات الهاتفية، وإلا فالتعليل واضح من أن هذا الوصف الوارد بصيغة اسم الفاعل لم ترد به العلمية، كما أنه ليس مدحًا بإطلاق، فمثله مثل الزارع لا يطلق إلا مقترنًا بمتعلقه، ومثل ذلك فقل على انتزاعه اسم "الطيب" من حديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) رواه مسلم .

وكل هذا كان يمكن احتماله لولا أن الدكتور قد اغتر بنتائج بحثه، فظن أن هناك ضوابط صارمة أخرجت تسعة وتسعين اسمًا بالتمام والكمال، مما يعني أنه بصدد فرصة ذهبية لإغلاق باب الخلاف في المسألة.

وكدَّر على صفو تلك الفكرة أن الدكتور بحكم سلفيته يعلم أن السلفيين لا يمكن أن يَنسبوا إلى السلف أنه قد فاتهم شيء قطعي كان ينبغي أن يجمعوا عليه، ولكنه تفرق بينهم حتى لا يوجد منهم واحد عبر التاريخ قد قال بالحق كله مجموعًا في هذا الباب بناءً على ما يراه الدكتور، وهنا تفتق ذهن الدكتور عن عذر يعتذر به عن السلف أنهم فاتهم عقيدة قطعية بهذا القدر من الوضوح الذي يدعيه الدكتور، وهو أنه لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بمساعدة الحاسوب، وأن السلف لو كان معهم الحاسوب لوصلوا إلى ما وصل إليه الدكتور.

وهذه سقطة لا يجبرها إلا الرجوع التام عنها؛ فإن الدكتور من أدرى الناس بأن علماء السلف لم يقبلوا من الأشاعرة ما هو أفضل من هذا حينما زعموا أن السلف شغلهم الجهاد عن تدبر آيات الصفات، بل لم يقبلوا منهم الزعم بأن منهج السلف "أسلم"، وأن السلف لسلامة قلوبهم اختاروا الأسلم، واضطر من بعدهم إلى الخوض في التأويل والمعاني؛ لأن أي تجهيل للسلف في أمر من أمور الدين لا يمكن أن يقبل تحت أي ظرف من الظروف!! فضلاً أن كلام الدكتور ينقل التهمة من السلف إلى الشرع ذاته، فيكون الشرع قد أمر الأمة باعتقاد عقيدة تبقى مغيبة عنهم خمسة عشر قرنًا من الزمان.

ثم إن الدكتور قد نسي أن الخطوة الأولى عنده لم تكن الجمع، وإنما كانت وضع الضوابط والتي يراها قطعية ملزمة، وهذه الخطوة ليس للحاسوب أي دور فيها، فأي عذر للأمة في تركها الاتفاق على تلك القواعد التي يراها الدكتور قطعية؟

إنَّ الحاسوب إن أفاد فلن يفيد إلا في الجمع، ولكن بالتأمل في الأدلة التي استفاد منها الدكتور الأسماء، تجد أنه ليس شيئًا منها مما يفوت الحفاظ جمعه بلا حاسوب، لاسيما المتأخرين منهم.

ثم إن كان الدكتور يرى أن عذر الأمة في الجهل بهذه العقيدة القطعية هو عدم وجود الحاسوب فنحن نسأل بدورنا متى ارتفع هذا العذر: أهو من تاريخ معرفة البشرية بالحاسوب في منتصف القرن الماضي، أم منذ شيوع النوع الشخصي منه في الربع الأخير منه، أم من تاريخ اقتناء الدكتور للحاسوب؟؟!

ثم إن الدكتور ليس من المعنيين -فيما نعلم- بعلوم الحاسوب والتي بلغت من تشعبها الآن مبلغًا جعلها تفوق علوم الطب في عدد فروعها، بحيث يكون غاية آمال من تخصص في جانب منها أن يلم إلمامًا عامًّا بالجوانب الأخرى.

ومن خلال ما حكاه الدكتور في مقدمة كتابه عن دور الحاسوب في هذا البحث -واستخدامه ثلاثة حاسبات!!!- ومساعدة زوجته له ندرك أن الدكتور لم يستعن مثلاً بخبراء في مجال البرامج الخبيرة أو الذكاء الصناعي، ولا حتى برمجة الكائنات ليصمم برنامج بحث صرفي يعطيه الصور المختلفة للتصريف أو نحو ذلك، فهذا مما يجعل دور الحاسوب في بحث الدكتور كدوره في بحوث طلاب المدارس والجامعات.

ثم هب أن الدكتور باستخدام برامج البحث البدائية الموجودة في نظام تشغيل "الويندوز" أو حتى "اليونكس"، استطاع أن يحصر كل النصوص التي فيها ذكر الله، ونخلها جميعها، فيبقى أن الحاسب لم يقعد له قواعد، كما أنه لم يطبقها له، وحديث: (إن الله هو المسعر) من الشهرة بمكان، وكثير ممن نظر فيه قبل الدكتور لم يجدوا ضوابطهم منطبقة عليه، مع أن ضوابطهم كانت أيسر من ضوابط الدكتور.

ظهر الكتاب وكالعادة طارت الأسئلة، وأجبنا إجابات مختصرة فيها تخطئة الدكتور محمود عبد الرازق في تخطئته للأمة، فاتخذ منا هدفًاً لفترة طال أمدها، ونحن معرضون عن إعطاء الأمر أكبر من حجمه حتى لا يتسع الخرق على الراقع -كما يقولون-.

إلا أن الدكتور قرر هو ومجموعة ممن وافقه أن يحاربوا الدنيا بأسرها، وأن يقاضوا الأزهر والأوقاف، بل والمغنين الذين يغنون الأسماء الحسنى القديمة.

وكما كان الحاسب بريئًا من وضع القواعد، بريئًا من تطبيقها، بريئًا من تخطئة الأمة، فقد كان أكثر براءة من عدم حساب العواقب التي لا ندري كيف حسبها أصحاب ذلك الموقف!!

لو كانت المعارك القضائية يمكن أن تغير مناهج الأزهر فلماذا يترك هؤلاء الأزهر وهو يدرس عقيدة الأشاعرة في جميع مراحله العلمية على الرغم أن من علمائه من طالب بتدريس منهج السلف، منهم الشيخ "هراس" -رحمه الله- عميد كلية أصول الدين الأسبق؟!

ولو كانت المعارك القضائية يمكن أن تغير الأسماء المنقوشة على جدران مساجد الأوقاف فلماذا لا يطالبون بإزالة جميع هذه النقوش، ومن باب أولى إزالة القبور من المساجد مع وجود فتاوى لشيوخ كثيرين شغلوا كرسي الإفتاء في مصر سابقًا بضرورة إخراج القبور من المساجد؟!

وإذا كانت المعارك القضائية يمكن أن تسحب معها أغنية فلماذا السكوت عن الأغاني هابطِها وشعبيِّها وشبابيِّها؟!

ثم أين حساب العواقب في مردود ذلك على العوام الذين لن يتمكنوا إلا من سماع الخبر دون أن يعرفوا الخلاف في الأسماء الحسنى، وهل يجوز فيها الاشتقاق أم لا، والفرق بين المراد به العلمية والذي لم يراد به العلمية؟!

وما مدى وقع خبر أن الحاسوب قد اكتشف خطأ الأسماء التي كانت الأمة ترددها عبر خمسة عشر قرنًا من الزمان على المتابعين من غير المسلمين؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية