الطلاق والحكمة المفقودة
أحمد عبد السلام • المرأة والأسرة
4- المنع من إيقاع الثلاث جملة واحدة، وإنما مرة بعد أخرى حتى يراجع كل من الزوجين نفسه، كما سبق في قوله -تعالى-: ( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ )، ودل على المنع: ما رواه النسائي -بإسناد قال العلامة أحمد شاكر: إنه صحيح- عن محمود بن لبيد قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَانًا ثُمَّ قَالَ: ( أَيُلـْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ ) حَتَّى قَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ أَقْتـُلُهُ؟).
وجاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه كان إذا رفع له رجل طلق ثلاثًا ضربه بالعصى، بل إن الثلاث ترد إلى واحدة لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كَانَ الطَّلاَقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبِى بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ طَلاَقُ الثَّلاَثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ. فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ" (رواه مسلم).
5- جعل عدة في الطلاق الرجعي لعل الله -عز وجل- يحدث بعد ذلك أمرًا، فيرتجع الزوج امرأته، قال -تعالى-: ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا ) (البقرة:228) .
6- ومنع المرأة من الخروج من بيتها في الطلاق الرجعي، قال -تعالى-: ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) (الطلاق:1) ، ويجوز أن تتشوَّف له المرأة وذلك أدعى إلى المراجعة، وهذا مما تحدث فيه مخالفات كثيرة، فأول ما تطلق المرأة تسارع إلى بيت أبيها مما يزيد الشقاق بينهما.
7- وكذلك يحرم - بالإجماع - أن يخطب أحدٌ الرجعية تصريح ً ا أو تعريض ً ا؛ لأنها زوجة .
8- المنع من طلاق المرأة أثناء الحيض، أو في طهر مسها فيه؛ لحديث نافع أن ابن عمر -رضي الله عنهما- طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ) (رواه البخاري ومسلم) ، ولعل الحكمة في ذلك أن المرأة يتغير مزاجها في أيام الحيض كما أنه تقل رغبة الزوج فيها.
9- مشروعية الإشهاد على الطلاق وجوبًا أو استحبابًا؛ لقوله -تعالى-: ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (الطلاق:2) .
وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه- أنه سئل عن الرجل يطلق ثم يراجع ولا يشهد. فقال: "أشهِدْ على طلاقها وعلى رجعتها". (رواه أبو داود موقوفاً، وقال الحافظ: سنده صحيح) ، وبوجوب الإشهاد قال الشافعي في القديم.
10- عدم وقوع طلاق ذاهب العقل كالمجنون والغضبان غضبًا أذهب عقله والسكران على الراجح من أقوال العلماء؛ لحديث: ( لاَ طَلاَقَ وَلاَ عِتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ ) (رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني) ، وكذلك الناسي.
11- تجاوز الله عن حديث النفس؛ لحديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ اللهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتي ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُها ما لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ ) (متفق عليه) ، فلو حَدَّثَ نفسَه بطلاق امرأته لا يقع الطلاق حتى يتكلم به.
12- ثم بعد كل ذلك الأمر بالإحسان إلى المرأة عند الطلاق: ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ )، فيعطيها مهرها كاملاً، المسمى؛ إن كان دخل بها، من شَبْكةٍ ومؤخَّر وأثاث وغيره، ومع ذلك نفقة متعة على قدر يسره أو عسره، قال -تعالى-: ( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ) (البقرة:229) ، وقال -تعالى-: ( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) (النساء:20) .
ويحرم عليه أن يعضلها ليأخذ بعض حقها ( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ) (النساء:19) ، وهنا يحتال بعض الظلمة على المرأة؛ ليأخذ حقها ويذهب به مما يعد من أكل أموال الناس بالباطل، ومن أخذ السحت، وقد حرَّج النبي -صلى الله عليه وسلم- في حق المرأة فقال: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .
فهذه جملة من آداب وأحكام الطلاق فرَّط فيها كثير من الخلق، فأوقعوا أنفسهم وغيرهم في الحرج والمشقة، وتعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، ثم بعد ذلك يبحث عن حيلة لرد امرأته إليه، فيلجأ إلى نكاح التحليل الذي هو زنى في الواقع، وملعون فاعله، ولا يُحِل المرأة لمطلقها، ف َ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ " ( رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني) ، وهذا هو التيس المستعار الذي لا يُحِل المرأة، ولا يجوز نسبة هذا النكاح إلى الشريعة مما يجعل بعض الكفرة والجهلة يتندر به، وينتقد به الدين.
