شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

لا تـنشغل بغير الطريق

الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة

الأولى: ارتداء الطاعن ثوب الناصح في كثير من الأحيان، مما يجعل الأمر يبدو دائما وكأنه من قضايا الدعوة التي تحتاج إلى بيان، وهذه تحتاج إلى بصيرة كبيرة بالشرع وبالواقع لمعرفة ما يمثل شبهة يتضرر الناس في دينهم بعدم ردها، وما هو من جنس من أنكر على عثمان تخلفه عن بيعة الرضوان، وينبغي يقدر لكل مسالة قدرها، ولكل شبهة حجمها، مع عدم منع النفس من المراجعة على المُسْتَوَيَيْنِ: الفكري، والسلوكي -مدح الناس أم ذموا - .

الثانية: صعوبة ذلك على النفس سواء سمع الطاعن الطعن على نفسه، وربما كان أشد إذا وقع الطعن على من لهم في قلبه موقع خاص كآبائه ومعلميه، ولكن مع ترويض النفس وإقناعها بخطورة شغل الأوقات بتتبع الرد على هؤلاء الذين لا يمثلون إلا أذىً نفسيًّا محدودَ الأثر حول الداعي تاركين عمومَ الأمة مرتعًا للدعاة على أبواب جهنم؛ يهن على النفس ذلك ، وإنه لعظيم، ولكنه يسير على من يسره الله عليه.

فدعوتنا المباركة -بإذن الله- لها معاركها الخطيرة في ميادين متعددة، فترى لو انشغلنا بدفع الأذى عن أنفسنا؛ فمَن يدفع عن الناس أذى التغريب والعلمنة التي مال كثير من الخواص فضلاً عن العوام إلى المداهنة فيها؟ !

ومن يدفع عن الأمة خطر الطاعنين على القرآن وعلى نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم-، وهم لا يفتأون يرددون ذلك صباح مساء -قطع الله دابرهم-؟!

من يرفع عن الأمة أذى الشيعة، وكثيرٌ من أصحاب الرأي في الأمة يدفنون رؤوسهم في الرمال غارقين في أحلام اليقظة حول الوحدة مع الشيعة، وهم يكسبون في كل يوم أرضا جديدة؟!

ومن يتصدى للعقلانيين الطاعنين في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؟!

ومن يمنع الصوفية من العودة إلى غيبوبة الفكر الخرافي، والذي يجر وراءه الفكر العلماني الذي يزعم أن كل الدين خرافة كما أن الصوفية خرافة؟!

ومن يمد يديه إلى الشباب في عمر الزهور الذين يجدون المخدرات أقرب إليهم من رغيف الخبز؟!

ما أحوجنا إلى تلك اللافتة المرورية التي تحذر قائدي المركبات: "لا تنشغل بغير الطريق"، وهي وإن كانت مهمة بالنسبة إلى قائدي المركبات فحاجة الدعاة إلى الحق في زمان الفتن إليها أشد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن البراء -رضي الله عنه- قال: (لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وَأَجْلَسَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ وَقَالَ: لاَ تَبْرَحُوا، إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلاَ تَبْرَحُوا وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلاَ تُعِينُونَا. فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلاَخِلُهُنَّ، فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- أَنْ لاَ تَبْرَحُوا. فَأَبَوْا، فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ، فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلاً، وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: لاَ تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لاَ تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلاَءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أُعْلُ هُبَلْ. فَقَالَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم-: أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ لَنَا الْعُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم-: أَجِيبُوهُ؟ قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ. قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي) رواه البخاري .

الصفحة السابقة