شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

في عيد ميلاد الفأر

أحمد عبد الحميد • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فيبدو أن السخف البشري لا حدود له بالفعل، ففي الوقت الذي يمر العالم بأزمة اقتصادية طاحنة تسببت فيها الأنماط الاقتصادية الأمريكية؛ فإذا بأمريكا تتحف العالم بحفلات تتكلف الملايين للاحتفال بعيد ميلاد فأرها وأحد أهم رموزها الثقافية "ميكي ماوس" الذي أتم ثمانين عاما على ابتكاره في 15 نوفمبر 1928 على يد "والت ديزني".

ولم تتوقف الاحتفالات عند حدود أمريكا، بل تبعها في ذلك ملايين المهووسين في أنحاء العالم بهذه الشخصية بخاصة، وبالثقافة الأمريكية بعامة، بعد كل هذا التراجع في الانبهار بإمبراطورية "اليانكي" بسبب ما قدمته أمريكا للعالم من قسمات وجهها الحقيقي.

تأتي هذه الاحتفالات بعد فترة قصيرة من الحملة التي شنتها وسائل الإعلام الأمريكية و"الجوقة" التابعة لها في دول العالم -بما فيها بلادنا- ضد الشيخ "محمد المنجد" -حفظه الله-، والذي نسبت إليه ما أسميت بفتوى: قتل "ميكي ماوس".

وقد كان الشيخ -حفظه الله- ضيفاً على قناة المجد الفضائية يتكلم عن الآثار النفسية والتربوية التي تخلفها الصور، وتطرق الحديث إلى أفلام الكرتون، وكيف أنها تساعد على تسويغ قبول المستقذرات مثل: الفأر، والخنزير، والكلب، في إطار التسلية وبصورة طريفة تسلب عقل الأطفال.

وتكلم الشيخ عن الفأر بما جاء في الشرع الحنيف من كونه سمي "فويسقة"، وأنه من جند إبليس، وأنه يضرم على أهل البيت بيتهم، وبيَّن أمر الشرع في الفأر بأنه يقتل في الحل والحرم، وعلى سبيل التهكم قال: إن "ميكي ماوس" هذا يقتل في الحل والحرم.

لو أرعيت سمعك للكلام لوجدت عليه نوراً وفيه بصيرة نافذة، ولكن لو كان المتلقي أعمى القلب فماذا تتوقع؟!

جعل هذا الكلام مادة للتفكه والسخرية من الشيخ -حفظه الله- بخاصة، ومن الإسلام والمسلمين عامة، وطار الخبر في القنوات الإخبارية والاجتماعية الأمريكية مع صورة للشيخ، وبجواره صور ضاحكة فاكهة لـ"ميكي ماوس" مع ضحكات هستيرية من المذيعين والجماهير عند التعليق على كلام الشيخ؛ لتبقى الصورة وكأن هؤلاء المسلمين بلا عقل، وأنهم مولعون بالدماء حتى إنهم يهدرون دم شخصية كارتونية لا روح لها.

ولم تهدأ هذه الحملة حتى سعت المواقع الإخبارية مثل: قناة العربية إلى الوصول للشيخ لتوضيح فتواه حيث بين الشيخ حقيقة مقصده -وهو لا يحتاج إلى بيان أًصلا-، وهو ما عده القوم تراجعا من الشيخ عن فتواه فأبدوا ارتياحهم لذلك.

لو رأيت مشهد القوم في سفههم لتبادر إلى ذهنك قول الله -عز وجل- حاكياً حال الكفار: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) (فصلت:26) .

فلا مجال للتفكير ولا للتعقل! مع أن القوم يدعون لأنفسهم عقولا لا يملكها العالم أجمع!!

لم تكن هذه الحملة مجرد حملة غوغائية عشوائية غير واعية بأهدافها ومنطلقاتها؛ فسهم الشيخ -حفظه الله- قد توجه إلى قلب رمز من أهم رموز الثقافة الأمريكية مع رموز أخرى، مثل: "كوكاكولا" و"ماكدونالدز" والبطة "دونالد" و"سوبرمان" و"الرجل الوطواط" وغيرها، وهذه الرموز هي في حقيقتها رموز مشينة، ولا تدعو للفخر إلا على سبيل الاستخفاف بعقول الخلق.

والمجتمع الأمريكي في الحقيقة مجتمع بلا تاريخ، بلا أبطال، بلا رموز حقيقية يمكن أن يلتف حولها أصحاب الوعي والفهم، فلا بأس إذاً أن يلتف حول هذه الرموز السكارى وشـُذاذ الآفاق، وليرفعوا أصواتهم عالياً، وبهذا تتحقق الانتصارات الزائفة للأمريكان.

ناهيك عن كون هذه الرموز يمكن أن تؤدي دورها الفعـَّال في التأثير على الشعوب المنهزمة نفسيا أمام أمريكا، ويتم من خلالها تمرير الأنماط الثقافية لهذه الأمة غريبة النشأة، وغريبة الصفات والفعال.

وهذا ما رأينا ولا نزال نرى بقية آثاره على سلوكيات المجتمعات التي فتحت أبوابها لتلقي هذه السموم الثقافية، التي تتسلل إلى وعيها يوماً بعد يوم؛ حتى تصبح هذه الشعوب نسخاً ممسوخة من مسخ أصلي لا يطيق النظر إلى نفسه في المرآة؛ إلا بعد وضع مساحيق التجميل التي يمكنها على سبيل المثال أن تقلب الفأر الذي يستقذره الأمريكان أنفسهم إلى شخصية محبوبة ظريفة يتعلق بها الكبار والصغار على حد سواء.

ينقل عن الرئيس الأمريكي "جيمي كارتر" قوله: "ميكي ماوس هو رمز للشعور الودِّي، متخطيًا كل اللغات والثقافات، وعندما يرى المرء ميكي ماوس فإنه يرى السعادة".

وبالمناسبة فإن "ميكي ماوس" أول ما ظهر لم يكن هو هذه الشخصية الطريفة الذكية الحاذقة؛ وإنما كان شخصية جريئة وقحة لا تكف عن إطلاق البذاءات، وشرب الخمر، والدخان، وهذه الصورة هي الصورة الذهنية عن الأمريكي في عقل الأمريكي نفسه.

ولكن بعد دعوة الكنيسة الكاثوليكية إلى مقاطعة "ميكي ماوس"، وتابعها على ذلك ملايين البشر وعشرات المؤسسات مما كبد "ديزني" خسائر فادحة؛ فاضطروا إلى تعديل شخصيته لتصبح مع الوقت شخصية أقل فجاجة، ولكن يمكن أن تظهر في أفلامها صور عارية ودعوات إلى الشذوذ ومصادقة الشياطين ناهيك عن "ميني" -ميمي في النسخة العربية- وهي الصديقة الدائمة "لميكي"، والتي يحبها بجنون ولم يتزوجها منذ ثمانين عاماً ليستنتج المشاهدون حقيقة العلاقة مما يعرفونه عن النمط الاجتماعي الأمريكي الذي يقدس "المواعدة" و يحتقر "الزواج".

ولمن لا يعرف فالمواعدة هي الاسم المخفف لاتخاذ العشاق والخلان، تماما كما أن لفظ ممارسة الحب هو الاسم المخفف للجماع حلاله وحرامه على السواء.

ليس "ميكي ماوس" هو الفأر الوحيد في حياة الأمريكان، بل هناك منافسه في الشهرة "جيري" الفأر الذكي، واسع الحيلة، الذي يتعرض دائماً لاضطهاد القط "توم" الغبي الباطش، الذي لا يتورع عن محاولة قتل "جيري"، بل والتهامه -وكأن للقطط في الدنيا وظيفة غير تلك-، ولكن دائما يكون النصر حليف الفأر "جيري" الذي يخطف القلوب والعقول بحسن تصرفه وتخلصه، وفي أحيان كثيرة يأتيه دعم على يد الكلب البولدج "سبايك" الذي يكن عداء للقط هو الآخر، ليفرح المشاهدون بهذه الملحمة التي ينتصر فيها الفأر والكلب قبيح المنظر على القط "توم".

الصفحة التالية