شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بين التاريخ والجغرافيا... مقدمة لابد منها

أحمد عبد الحميد • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فقبل الشروع في بيان بعض أهم الجوانب التاريخية حول القدس لابد من بيان بعض المقدمات الهامة لفهم طبيعة التعامل مع مثل هذه الملفات وغيرها، لاسيما مع كثرة المعلومات المتوفرة التي تنطوي على أنواع من التناقضات التي تلقي ظلال الشك عليها جميعا إلا ما كان مصدره من وحي معصوم.

وقد حظيت قضية القدس وفلسطين بقدر لا بأس به من ذلك كله بطبيعة الحال.

وأول هذه المقدمات عن العلم الذي لا ينفع:

فيولي الدارسون للتاريخ والجغرافيا أرض الشام عناية فائقة، إذ أن هذه الأرض منذ فجر التاريخ كانت ولا تزال محط رحال الكثيرين، وقامت حولها حضارات عدة على اختلاف أجناسها وألوانها، ولا عجب في ذلك فالأرض بها بقعة مباركة وخيرات، وهي ذات موقع يعتبر محوريا بالنسبة لبقاع الدنيا.

وأكثر الدارسين للتاريخ والجغرافيا عموما يعتنون بنوعية من المعلومات تعتبر غير ذات قيمة كبيرة بالنسبة لنا نحن المسلمين، شأنهم كشأن كثير من الدارسين لأنواع من العلوم لا طائل تحتها، ولا تفيد في دنيا ولا أخرى؛ إلا نوعا من التباهي بمعلومات طريفة، والتظاهر بعلم عميق هو في حقيقة أمره أشبه بفضول الأطفال.

فبينما العالم تأكله المجاعات والحروب تجد أعدادا كبيرة من أصحاب القبعات يطوفون الأرض بحثا عن إناء فخاري أو قطعة من الحجر، أو نوعا من الصخور ثم إذا بهم يهتفون بانتصار علمي جديد مفاده أن ديناصورا ما قد مر من هنا، أو أن على هذه الأرض قد عاش إنسان طويل القامة نوعا، أو أن صديقا مريخيا ترك بعض الآثار هنالك، أو أي شيء من هذه السخافات التي يفترض أن يقف العالم معها مشدوها متقطع الأنفاس حامدا الله على أن ساق له هذه المعجزات العلمية لتنقذه في الوقت المناسب بعد أن كاد يهلك.

والإشكال أن تنحرف صورة العلم شيئا فشيئا وتصير هذه الأمور بمثابة المسلمات التي يلحق الذم بمن أنكرها أو تشكك فيها، بل وتسن القوانين الدولية وفق هذه التصورات الساذجة.

ونموذج أرض الميعاد اليهودية والحق التاريخي في الأرض واحد من هذه النماذج، حيث تجد الحجج التي تساق في مثل هذه القضية هي مجموعة من الأحجار والأواني الفخارية والتراكيب الجيولوجية التي لا تدع مجالا للشك بأن هذه الأرض كانت ملك الجنس الفلاني أو العلاني، وهذا بالطبع مع بعض الحديث عن أنواع الأشعة المتطورة المستخدمة في الأبحاث، وكذلك الكربون المشع، مما يعطي الأمر طابعا علميا مهيبا يجعلك تسلم بلا جدال.

وكأنه لو سلمنا مثلا بأن هذه الأرض سكنها بنو إسرائيل منذ آلاف السنين فينبغي علينا نحن المسلمين أن نترك لهم المسجد والأرض ليفعلوا بهما ما يشاءون، بينما نقف فخورين بروحنا العلمية المحايدة، أو لو سلم اليهود لنا بأن العرب الكنعانيين هم أول من سكن الأرض فسيعاملوننا بذات الطريقة.

وهذا يقودنا إلى المقدمة الثانية؛ وهي أن الأرض لمن عبد الله عليها:

إن الحق الذي لا مراء فيه أن بني آدم كلهم لآدم وحواء، رجل وامرأة وتفرق أبناؤهم في الأرض بعد ذلك، وقبل أن يوجدا لم يكن هناك بشري على الأرض، ولم يكن يحق لأحد الحديث عن ملكيته لهذه البقعة أو أحقيته في تلك.

أهبط آدم وذريته لعبادة الله وإعمار الأرض بذلك، وجعل الله لهم الأرض متاعا إلى حين، ثم يعودون إلى ربهم وتبدل الأرض غير الأرض ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه:123-124) ، (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (البقرة:36) .

فمن السخف إذاً الانشغال بمثل هذه التفاهات التي تجعل من الإنسان الضعيف العاجز سيدا للكون يتصرف فيه كما يشاء بالمنع والمنح.

الحق الذي لا مراء فيه أن الأرض لمن عبد الله عليها، ومن غيـَّر أو بدل فالسنن لا تحابي أحدا (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء:7) .

وكما هو واضح من الآيات فإن الوجه الرئيسي للصراع على ظهر الأرض هو الصراع بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، بين الخير والشر كما يحلو للبعض التعبير. فلا مجال حينئذ للادعاء بأن الصراع بالأساس هو صراع اقتصادي أو اجتماعي أو جنسي وفقا للنظريات المتعددة التي صيغت بهذا الصدد.

ولا شك أن البحث عن الموارد والرغبة في التملك كانا وقودا لكثير من الصراعات عبر التاريخ، ولكن المحرك الرئيسي للصراع هو الرغبة في الإفساد من قبل الشيطان وأعوانه، وما يقابل ذلك من الرغبة في الإصلاح من قبل أولياء الله.

والمقدمة الثالثة هي عن منهجية التعامل مع التاريخ:

يتعامل البعض مع التاريخ وكأنه رواية مسلية محبوكة متصلة الحلقات، بينما الواقع عكس ذلك، فتدوين التاريخ والاحتفاظ بالحقائق دون تشويه؛ يعد من أصعب الأمور، بل إن أغلب حلقات التاريخ غير مكتملة بالنسبة لنا، الأمر الذي يجعل طوائف كثيرة من المؤرخين تحاول سد هذه الثغرات بأنواع من الاستنتاجات يكون مردها إلى المكون الفكري للمؤرخ وطبيعة فهمه للأمور، وحتى على مستوى كل أمة بعينها فإن كتابة التاريخ تكون محكومة بالعديد من العوامل من بينها كون هذه الأمة مهزومة أو منتصرة مصونة الجوانب، وما يتبع ذلك من قدرتها على الاحتفاظ بمدوناتها دون أن تصل لها يد التحريف أو الإتلاف، وكذلك جوانب النهضة الفكرية والثقافية، ومدى أهلية من يتصدى لكتابة التاريخ، فضلا عن مدى حياديته وبعده عن لي أعناق الحقائق تحقيقا لأغراض معينة.

الصفحة التالية