فتح بيت المقدس
محمد الباز • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبارك الله أرض فلسطين وقدسها -أي طهَّرها-، واختارها للمسجد الأقصى ثاني بيوته في الأرض بعد البيت الحرام، وكتب -جلَّ شأنه وسلطانه- أنها للمؤمنين، وإن اختلفت أعراقهم أو أجناسهم أو أوطانهم؛ طالما أقاموا الدين، ورفعوا راية التوحيد والإيمان، كما في نداء موسى -عليه السلام-: ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) (المائدة:21) ، وكما فسَّر ابن عباس -رضي الله عنهما- الأرض في قول الله -سبحانه وتعالى-: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء:105) ، فهي حقيقة قرآنية، ومِن قبله حقيقة في كلٍ الزبر والكتب.
وهي أيضًا بشرى نبوية صادقة أخرجها الإمام أحمد في مسنده مِن حديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما- حين قصَّ ما كان مِن خبر الصخرة يوم الخندق التي حطمها المصطفى -صلى عليه وسلم- قائلًا: ( اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ) (رواه أحمد، وحسنه الحافظ ابن حجر) ، ووردتْ فيما رواه البخاري عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- عن ست مِن أشراط الساعة؛ فعد ثانيها فتح بيت المقدس.
بل بشَّر -صلى الله عليه وسلم- مِن قبْلِ فتحِها أنها أرض الرباط، وأنها أرض الطائفة الظاهرة المنصورة، فقال -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه أحمد: ( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِس ) (رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، والطبراني، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات) .
واستفتاح الشام وفلسطين وبيت المقدس، قد بدأه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد غزا -صلى الله عليه وسلم- بنفسه "دومة الجندل"، وهي على تخوم الشام، كما بعث إلى جهتها السرايا المتتالية، وأرسل -صلى الله عليه وسلم- كتابًا إلى هرقل -حاكم الروم- يدعوه للإسلام؛ فوصله ببيت المقدس، وكان فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. مِن محمدٍ رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على مَن اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:64) ، فأوشك هرقل حينها أن يسلم، ولكن صده الكبر والخوف على المُلك.
ثم بعث -صلى الله عليه وسلم- جيشًا مِن ثلاثة آلاف، فاشتبك في معركة غير متكافئة مع الروم في غزوة "مؤتة"، وأراد الروم المبادرة في "تبوك"؛ فعاجلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بجيش العسرة عندها، ففرت الروم رغم جحافلها، ولم يلقوا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعقد -عليه الصلاة والسلام- لواء جيش فيه الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- لغزو الروم في عقر دارها، لكنه لقي الله والجيشُ لا يزال عند حدود المدينة المنورة، ليكون أول أمر يصدره الخليفة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- هو إنفاذ جيش أسامة -رضي الله عنه- وإمضاء لواء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
تتابعت الوقائع في عهد الصديق -رضي الله عنه- لفتح الشام بداية بالعربة وداثن، ثم تلتها الوقائع الكبرى: "أجنادين" ثم "اليرموك"، لتساقط مدن الشام الواحدة تلو الأخرى حتى خُتمت بسقوط دمشق، بعد حصارٍ قاده أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- في أوائل عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
وفي أثناء حصار دمشق أرسل أبو عبيدة -رضي الله عنه- إلى أهل بيت المقدس قائلاً: "بسم الله الرحمن الرحيم. مِن أبي عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء وسكانها... فإنا ندعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن أبيتم فأقروا لنا بإعطاء الجزية، وإن أبيتم سرتُ إليكم بقوم هم أشد حبًّا للموت منكم للحياة، ولشرب الخمر، وأكل الخنزير، ثم لا أرجع عنكم -إن شاء الله- حتى أقتل مقاتلتكم، وأسبي ذراريكم"؛ فأبى أهلها.
فبدأ بعد فراغه مِن فتح دمشق بإرسال القوات لحصار بيت المقدس، وأرسل هذه القوات على سبع دفعات؛ ليكون أوقع للخوف في قلوبهم، وتكامل الجيش بوصوله لتبدأ المناوشات والحصار لأربعة أشهر، فرَّ خلالها القادة العسكريون مِن المدينة، فقرر البطارقة التسليم بشرط أن يتسلمها منهم أمير المؤمنين بنفسه.
وبالفعل توجَّه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى الشام ليتولى بنفسه عقد العهد مع أهل بيت المقدس، وتَحْمل لنا كتب التاريخ قصة هي للأعاجيب أقرب لولا أن نقلها كان مِن خلال الثقات!
تروي القصة تفاصيل دخول الفاروق أرض الشام، وننقلها بنصها؛ لأن فيها فصل الخطاب في السبب الذي نصر الله به هذه الأمة، ونقلها إلى ريادة الدنيا وهدايتها، بعد ما عاشت قرونًا تتطاحن، ويقتل بعضها بعضًا في أعماق الصحراء.
قال ابن كثير -رحمه الله- في البداية والنهاية: " قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجَابِيَةَ عَلَى طَرِيقِ إِيلِيَاءَ -بيت المقدس- عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ، تَلُوحُ صَلْعَتُهُ لِلشَّمْسِ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ وَلَا عِمَامَةٌ، تَصْطَفِقُ رِجْلَاهُ بَيْنَ شُعْبَتِي الرَّحْلِ بِلَا رِكَابٍ، وِطَاؤُهُ كِسَاءٌ أَنْبِجَانِيٌّ ذُو صُوفٍ، هُوَ وِطَاؤُهُ إِذَا رَكِبَ، وَفِرَاشُهُ إِذَا نَزَلَ، حَقِيبَتُهُ نَمِرَةٌ أَوْ شَمْلَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفًا، هِيَ حَقِيبَتُهُ إِذَا رَكِبَ، وَوِسَادَتُهُ إِذَا نَزَلَ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ كَرَابِيسَ قَدْ دَسِمَ وَتَخَرَّقَ جَيْبُهُ.
