شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جهاد صلاح الدين الأيوبي

محمود عبد الحميد • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فلما توفي نور الدين صار بين صلاح الدين وأبناء نور الدين نزاع حتى آل الأمر إلى ظهور صلاح الدين، وشملت سلطنته مصر والشام والجزيرة وغيرها. وكان -رحمه الله- عادلا كريما حليما صبورا على ما يكره، ومن أخبار زهده وكرمه أنه مات ولم يخلـِّف إلا دينارا وأربعين درهما مع سعة سلطانه.

ولقد بدأ صلاح الدين منازلته للصليبيين في عام ستة وستين وخمسمائة حيث أغار على أعمال عسقلان وغزة، وأتاه ملك الفرنج في قلة من العسكر مسرعين لرده عن البلاد فقاتلهم وهزمهم، وأفلت ملك الفرنج من الأسر، وعاد صلاح الدين إلى مصر فأمر بصنع مراكب مفصلة وحملها قطعا على الجمال في البر وقصد أيلة، ثم أمر بجمع قطع المراكب وألقاها في البحر، وحاصر أيلة برا وبحرا وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر.

وفي سنة سبعين وخمسمائة أخرج الفرنج أسطولا بحريًا حربيًا من صقلية لغزو مصر وهو مكون من مائتي سفينة تحمل الرجال، وست وثلاثين تحمل الخيل، بالإضافة إلى ست مراكب كبار تحمل آلة الحرب وأربعين مركبا تحمل الأزواد، وكان عدد المقاتلين خمسون ألفا من الرجالة وألف وخمسمائة من الفرسان، وكانت هذه الحملة بقيادة ابن عم صاحب صقلية فوصلوا إلى الإسكندرية في السادس والعشرين من ذي الحجة عام تسعة وستين وخمسمائة على حين غفلة من أهلها وطمأنينة، فقاتلهم أهل الإسكندرية قتالا شديدا.

وسمع الفرنج باقتراب صلاح الدين منهم في عساكره فسقط في أيديهم وازدادوا تعبا وفتورا، فهاجمهم المسلمون ووصلوا إلى خيامهم فغنموها بما فيها من الأسلحة الكثيرة وكثر القتل في رجالة الفرنج فهرب كثير منهم إلى البحر وغرق بعضهم.

وغاص بعض المسلمين في الماء وخرق مراكب الفرنج فغرقت، فخاف الباقون من ذلك فولوا هاربين، واحتمى ثلاثمائة من فرسان الفرنج على رأس تل، فقاتلهم المسلمون إلى بكرة، ودام القتال إلى أن أضحى النهار، فغلبهم أهل البلد وقهروهم فصاروا بين قتيل وأسير.

وفي سنة ثلاثة وثمانين وخمسمائة خرج صلاح الدين من مصر إلى الشام، فلما وصل أرسل إلى بقية أطراف الشام وإلى المشرق يطلب اجتماع الجيوش لغزو الصليبيين، فاجتمع لديه اثنا عشر ألف فارس من الجند الذين يتقاضون الرواتب سوى المتطوعة، ثم سار بجيشه حتى خلـَّف طبرية خلف ظهره وتقدم حتى قارب الصليبيين وهم في خيامهم لم يفارقوها، فلما كان في الليل جعل في مقابل الصليبيين من يمنعهم من القتال وسار بطائفة من الجيش إلى طبرية، وقاتل أهلها ونقب بعض أبراجها، وأخذ المدينة عنوة في ليلة، ولجأ من بها إلى القلعة التي لها فامتنعوا بها وفيها أميرتها النصرانية ومعها أولادها.

فلما سمع الصليبيون بذلك اجتمعوا للمشورة فاستقر رأيهم على التقدم لقتال المسلمين وهذا ما أراده صلاح الدين من مهاجمة طبرية، وتقدموا حتى قربوا من معسكر المسلمين فعاد صلاح الدين من طبرية، وكان المسلمون قد نزلوا على الماء والزمان قيظ شديد الحرارة فوجد الصليبيون العطش ولم يتمكنوا من الوصول إلى الماء ولم يتمكنوا عن الرجوع خوفا من المسلمين فبقوا على حالهم إلى الغد وقد أخذ العطش منهم، ولما عاد صلاح الدين والمسلمون ركبوا وتقدموا إلى الصليبيين وركب الصليبيون ودنا بعضهم من بعض، وأمر السلطان الرماة أن يرشقوا الأعداء بنبالهم وتبارز الشجعان ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة فحمل المسلمون على أعدائهم، فاقتتلوا أشد قتال وصبر الفريقان، وأثخن رماة المسلمين في الأعداء فقتلوا كثيرا من خيولهم.

وتوجه الصليبيون نحو طبرية لعلهم يردون الماء؛ فلما علم صلاح الدين بمقصدهم صدهم عن مرادهم، ولما اشتد القتال عليهم أدرك القمص حاكم طرابلس أنه لا طاقة لهم بقتال المسلمين ففر من المعركة. فلما انهزم القمص فتَّ ذلك في أعضادهم، وكان بعض المتطوعة قد ألقى في تلك الأرض نارا وكان الحشيش كثيرا فاحترق، وحملت الريح حر النار والدخان إلى الأعداء، فاجتمع عليهم العطش، وحر الزمان، وحر النار والدخان، وحر القتال، فوهن الأعداء لذلك وهنا عظيما فأحاط بهم المسلمون إحاطة الدائرة بقطرها؛ فارتفع من بقي منهم على تل بناحية حطين وأرادوا أن ينصبوا خيامهم ويحموا نفوسهم به، فاشتد القتال عليهم من سائر الجهات، ومنعهم المسلمون عما أرادوا.

وأخذ المسلمون صليبهم الذي يسمونه "صليب الصلبوت" والتي يزعمون أن به قطعة من الخشبة التي صلب عليها المسيح -في زعمهم- فكان أخذه عندهم من أعظم المصائب، وأيقنوا بعده بالقتل والهلاك، وكان الفرنجة قد ازدادوا عطشا؛ فنزلوا عن دوابهم وجلسوا على الأرض، فصعد المسلمون إليهم فألقوا خيمة الملك وأسروهم عن بكرة أبيهم، وفيهم الملك وأخوه البرنس "أرياط" صاحب الكرك، ولم يكن في الفرنج أشد عداوة للمسلمين منه، وأسروا أيضا صاحب جبيل وابن هنفري، ومقدم الداوية وكان من أعظم الفرنج شأنا.

وانتهت المعركة بانتصار حاسم للمسلمين وانهزام شديد للصليبيين، وقد كثر فيها القتلى والأسرى منهم حتى أن من يرى القتلى لا يظن أنهم أسروا واحدا! ومن يرى الأسرى لا يظن أنهم قتلوا واحدا!!

وقد بلغ عدد القتلى ثلاثين ألفا، وعدد الأسرى ثلاثين ألفا.

فلما فرغ المسلمون منهم نزل صلاح الدين في خيمته وأحضر ملك الفرنج عنده والبرنس صاحب الكرك، وأجلس الملك إلى جانبه وقد أهلكه العطش فسقاه ماء مثلوجا فشرب وأعطى فضله البرنس صاحب الكرك فشرب، فقال صلاح الدين: إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني، ثم كلم البرنس وقرعه بذنوبه، ومن ذلك سب الرسول -عليه الصلاة والسلام- وعزمه على غزو مكة والمدينة، وقتل الحجاج غدرا وكان يقول: "أين محمدكم فليأتي لينصركم". فقال له صلاح الدين: "جئتك بالنيابة عن محمد -صلى الله عليه وسلم- للانتصار لأمته".

وكان صلاح الدين قد نذر مرتين أن يقتله إن ظفر به فقام إليه بنفسه فقتله، فلما قتله وسحب وأخرج؛ ارتعدت فرائص ملك الصليبيين فسكـَّن السلطان جأشه وأَمَّـنه.

الصفحة التالية