فلسطين أيام الخلافة العثمانية (922هـ- 1336هـ / 1517- 1917م)
محمد سرحان • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فقد دخلت القدس في حماية الدولة العثمانية أواخر أيام عام 922هـ في عهد السلطان سليم، وهو السلطان التاسع من سلاطين آل عثمان.
وفي عام 1520م تولى السلطان سليمان القانوني، وفي عهده جُدِّدَ آخرُ سورٍ حول القدس الشريف.
وفي عام 1247هـ/1831م سقطت القدس في يد إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، ولكن إبراهيم اضطر إلى ترك البلاد تحت ضغط الدول الكبرى.
وفي عام 1291هـ/1874م ارتبطت متصرفية القدس بوزارة الداخلية في إسلام بول (استانبول حالياً)، و(إسلام بول هي القسطنطينية سماها السلطان محمد الفاتح -رحمه الله- بهذا الاسم، وهو يعين بالتركية مدينة الإسلام).
وفي سنة 1917 سقطت في يد بريطانيا.
محاولات اليهود إقامة وطن لهم في فلسطين، ووقوف دولة الخلافة ضد ذلك:
حاول اليهود التسلل إلى بلاد الشام (خاصة فلسطين) والطور (سيناء) عن طريق الهجرة وشراء الأراضي، ولكن سلاطين آل عثمان كانوا يدركون خطورة هذه الحركة، فأصدروا أوامر مشددة إلى رجال الإدارة ببلاد الشام تحرم على اليهود سكنى أرض فلسطين أو سيناء، فعلى سبيل المثال:
- أصدر السلطان سليم الأول عام 924هـ فرماناً يمنع اليهود من الهجرة إلى سيناء، وواضح من هذا الفرمان أن اليهود كانوا يريدون سيناء منطلقاً للعودة إلى أرض الميعاد -بزعمهم-.
- صار السلطان سليمان على نفس الطريق الذي كان عليه والده، فأصدر فرماناً أكد فيها ما جاء في الفرمان الذي أصدره والده السلطان سليم، مما يدل على أن الخطر اليهودي كان لا يزال ماثلاً على سيناء وأرض فلسطين.
ولكن اليهود لم يتوقفوا عن بذل المحاولات المتكررة لتحقيق هدفهم، وقد نجحوا في الوصول على هيئة هجرات متقطعة إلى سيناء بداية بالطور؛ على اعتبار أن الطور يقع على الساحل الشرقي لخليج السويس، ولها ميناء يصلح لرسو السفن، ويمكن مدينة الطور من الاتصال بالعالم الخارجي عن طريق البحر.
ثم اكتشفت هذه الهجرات، فأصدر الوالي العثماني على مصر من قِبَل السلطان العثماني مراد الثالث ثلاث فرمانات متتالية بإخراج اليهود من سيناء، ومنعهم قابل الأيام منعاً باتاً من العودة إليها بما فيها مدينة الطور أو الإقامة أو السكن فيها، ونبهت الفرمانات بضرورة تنفيذ الأوامر تنفيذاً فورياً.
- وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني بلغت محاولات اليهود ذروتها لاغتصاب فلسطين؛ ففي عام1282هـ (1882م) أراد يهود روسيا النزوح إلى فلسطين (بعد قيام منظمة عشاق صهيون باغتيال القيصر الروسي، وحملة السلطات الروسية لتصفية اليهود بعدها)،
فجاء الرد من الحكومة العثمانية كالتالي:
(إن الحكومة العثمانية تبلغ جميع اليهود الراغبين في الهجرة إلى الدولة بأنه ممنوع عليهم الاستقرار في فلسطين، وأن الدولة تسمح لهم بالإقامة في أي إقليم آخر من أقاليم الدولة بشرط أن يكونوا رعايا عثمانيين، ويخضعوا لقوانين الدولة)
وتدخل السفير الأمريكي في الأستانة لدى وزير الخارجية العثماني في شأن منع هجرة اليهود إلى فلسطين، وقد كانت لأمريكا وبريطانيا على الخصوص وغيرهما من الدول الأوروبية محاولات مستمرة مستميتة كثيرة لتكون فلسطين لليهود، وما زالت المحاولات لمساندتهم إلى هذه الساعة؛ لتدرك بوضوح قول الله -تعالى-: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض) .
فجاء الرد من السفير بمنع الهجرة.. وإمعاناً من السلطان عبد الحميد في سياسة منع هجرة اليهود أرسل إلى متصرف القدس وإلى السلطات العثمانية في بيروت واللاذقية وحيفا بمنع أي يهود من روسيا أو رومانيا أو بلغاريا من أن تطأ قدمه أرض فلسطين، وأبلغ رؤساء البعثات الدبلوماسية في الأستانة رسمياً بقرار مجلس الوزراء العثماني بمنع استيطان أو استقرار اليهود الروس في فلسطين.
وأصدر السلطان سنة 1291هـ/ 1884م قراراً بألا تزيد على ثلاثين يوماً إقامة اليهود الراغبين في زيارة فلسطين، واحتجت الدول الأوروبية على قيد المدة بثلاثين يوماً -تنبه للدور الأوروبي ولقوله -تعالى-: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض) - فجعلت ثلاثة أشهر.
- استطاع بعض اليهود التسلل إلى فلسطين بمساعدة بعض القناصل الأوروبية في فلسطين وقبول بعض الموظفين الرشا، فقدم أعيان القدس التماساً إلى السلطان لاتخاذ إجراءات فعالة كفيلة بمنع نزوح اليهود إلى فلسطين، وشراء أراضيهم، فاستجاب لهم وجدد القيود على اليهود، وأصدر قانوناً يحرم على بيع أراضي الحكومة إلى أي هودي كان، ثم واصل اليهود محاولاتهم التسلل إلى فلسطين تحت ستار المشروعات التي تقوم بها أوروبا في العالم العربي.
ثم كانت محاولات "هرتزل" وغيره من اليهود مرات عديدة في عرض الأموال على للسلطان عبد الحميد، وسداد ديون الدولة العثمانية في سبيل إعطائه في فلسطين، فكان جزاؤهم الطرد من البلاط السلطاني، وقال السلطان كلماته الشهيرة:
"إنكم لو دفعتهم ملء الدنيا ذهباً -فضلاً عن 150مليون ليرة إنجليزية ذهباً- فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة فلن أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي والخلفاء العثمانيين".
وقال: "سوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا، ليحتفظ اليهود ببلايينهم، فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين دون مقابل، لكنها لن تقسم إلا على جثثنا، ولن أقبل تشريحنا بأي ثمن".
ولهذه الأعمال تدرك سبب الهجوم العنيف على السلطان عبد الحميد.
ثم قام اليهود بعد ذلك من خلال جمعية "الاتحاد والترقي" التي كان من أقطابها كمال أتاتورك، وأعضاؤها بعضهم من يهود الدونمة، بجهودهم حتى أقصوا السلطان عبد الحميد عن الحكم، ثم بعد ذلك إسقاط الخلافة الإسلامية، وبسقوط الخلافة كان سقوط القدس وفلسطين في براثن اليهود.
لقد قام سلاطين العثمانيين بدور كبير في الحفاظ على فلسطين، ولكن بعضهم لم يقم بما يجب عليها تجاهها، وبعضهم وقع في أخطاء شديدة كانت سبباً في دخول اليهود فلسطين، وهذه بعضها:
الأخطاء التي وقع فيها بعض سلاطين العثمانيين:
1- في عهد السلطان عبد المجيد امتلك اليهود أول قطعة أرض في المدن الفلسطينية عام 1854م وهي القطعة التي أقيم عليها "حي مونتيفوري".
