شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفة مع المظاهرات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فمن المسائل التي اختلفت حولها الفصائل الإسلامية اختلافاً كبيراً مسألة المظاهرات؛ وذلك راجع إلى كونها وسيلة مستحدثة ليس فيها كلام صريح عن أهل العلم السابقين مما اقتضى شيئاً من النظر والتأمل فيها، هذا ويمكن عرض خلاصة لخلاصة ما ذهب إليه كل فريق فيما يلي:

أولاً: مذهب المانعين كحكم:

ذهب بعض أهل العلم إلى المنع من المظاهرات كحكم شرعي ثابت، واحتجوا على ذلك بدليلين:

الأول: أن وسائل الدعوة توقيفية لا يجوز إحداث وسيلة منها بغير دليل، وهو مسلك يميل إليه الشيخ الألباني -رحمه الله- في كثير من المسائل، ومنها مسألة المظاهرات، ويوافقه عليه كثير من تلامذته.

الثاني: أنها تشبه بالكفار؛ حيث أن هذه الوسيلة من الوسائل التي أخذت عن الغرب.

ثانياً: مذهب المانعين لما فيها من مخالفات ولما يترتب عليها من مفاسد:

ذهب بعض أهل العلم إلى المنع منها؛ لما تشتمل عليه من مخالفات؛ ولما يترتب عليها من مفاسد فمن هذه المخالفات:

1- السب والشتم سواء للكفار أو لبعض عصاة المسلمين، وهو يخالف سلوك المسلم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه الترمذي، وصححه الألباني .

ثم إنه غالباً ما يقابل بسبٍ مثلِه في مظاهرات مضادة أو في وسائل الإعلام، وقد قال -تعالى-: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام:108) .

2- تضمنها شعارات مخالفة للإسلام من حيث الأصل، ولا يجوز إطلاقها؛ مثل الحرية التي تعني عند أصحابها حرية كل طرف منها أن يدافع عن عقيدته بما في ذلك الكفار الأصليين والمرتدين.

3- وتضمنها إتلاف بعض المال العام الذي هو ملك للمسلمين، وليس ملكاً لمن يتظاهر ضده.

4- خروج النساء على وجه يخالف القرار في البيت، ويزداد الأمر سوءاً باشتراكهن في ترديد الشعارات، وهن مأمورات بعدم الخضوع بالقول، ومنه رفع الصوت حتى منع العلماء من أذانها بصوت مرتفع في بيتها حتى لا يسمعها سامع، بالإضافة إلى ما في ذلك من تعرضهن للخطر كما سيأتي عند ذكر المفاسد.

5- تضييع الصلاة في جماعة في كثير من الأحيان.

6- خروج المظاهرات المشتركة بين الإسلاميين وبعض التيارات السياسية المصادمة للمشروع الإسلامي، والذين قد يكونون في كثير من الأحيان أشد خطراً على الأمة من المنكرات التي يجري التظاهر بسببها مع وصف هؤلاء جميعاً بأوصاف المدح كالشرفاء والقوى الوطنية وغيرها.

وأما المفاسد المترتبة عليها فكثيرة، منها:

1- اندساس بعض المخربين الذين يتعمدون التخريب، وإن لم يكن داخلاً في حسبان منظمي المظاهرات.

2- المواجهات التي تتم بين المتظاهرين وقوات الأمن، والتي غالباً ما يجري فيها تبادل تهم بشأن من البادئ بها وبعض هذه المواجهات يصل إلى حد سفك الدماء، ويزداد الأمر سوءاً حال خروج النساء في هذه المظاهرات، وفي أحيان كثيرة يحدث أنواع من كشف العورات، وربما ما هو أكثر من ذلك.

3- وحتى في حال وجود آلية لقياس المصالح والمفاسد عند القائمين بالمظاهرة، فإنهم لا يستطيعون توجيه كل من استجاب لهم، وكم من مظاهرة انسحب منظموها وبقي المتعاطفون معها في مواجهات لم يوطنوا أنفسهم عليها، ولا يعرفون لها أولاً ولا آخراً؛ مما يبقي مرارة في حلوق هؤلاء من الصحوة الإسلامية ككل.

4- الثمن الذي يدفعه بعض منظمي هذه المظاهرات حتى ممن احتسب ذلك يمكن توجيهه إلى وجهة أخرى أكثر نفعاً للأمة على المدى القريب أو البعيد.

وأما المجيزون للمظاهرات فقد استدلوا على قولهم بأدلة، منها:

الأول: وجود أدلة تفصيلية على جواز المظاهرات، منها:

أ- ما رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس -رضي الله عنهما- فيما كان بين عمر -رضي الله عنه- وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: (فقلت يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا قال بلى والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم قال فقلت ففيم الاختفاء والذي بعثك بالحق لتخرجن فأخرجناه في صفين حمزة في أحدهما وأنا في الآخر له كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد قال فنظرت إلى قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق وفرق الله به بين الحق والباطل) ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة 6531.

2- حدوث ذلك من العلماء من خروجهم في تلامذتهم للإنكار على بعض العصاة وعلى بعض الأمراء، كما حدث ذلك من شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن غيره مراراً.

الثاني: استدلوا بأن الأصل في الأشياء الإباحة، وعلى هذا فالمظاهرات مباحة، ثم نقلوها من الإباحة إلى المشروعية بقاعدة "الوسائل لها أحكام المقاصد"، وقد ذكروا للمظاهرات مقاصد شرعية يمكن إجمالها في المقاصد الآتية:

الأول: البيان، من إنكار منكر، أو التذكير بحق إخوة في الدين في بلد آخر أو نحو ذلك.

الثاني: الإعلام، لإرسال رسالة إلى العالم الخارجي بردود الفعل الغاضبة تجاه جرائمهم في حق المسلمين.

الثالث: الضغط، ويعنون به الضغط على الأنظمة الحاكمة لاتخاذ قرار معين في صالح الإسلام، وإرسال رسالة لهم بأن هذا مطلب عام.

وسوف نرتب النظر في المسألة على النحو التالي:

أولاً: النظر في ادعاء وجود أدلة تفصيلية على مشروعية المظاهرات:

1- ادعاء وجود نص خاص في مسائل المظاهرات فيه نوع كبير من التوسع، لاسيما وأن أثر خروج المسلمين في مكة في صفين يحتاج إلى إثبات صحته قبل اعتماده أحد أدلة الأحكام، ثم إذا صح فغاية ما فيه أنهم خرجوا من دار الأرقم بن أبي الأرقم إلى المسجد، وليس في مكة آنذاك سلطة حاكمة بالمعنى المعاصر، ولم يكن في الأمر تجمهر ولا هتاف، ولا شك أن في قياس المظاهرات المعاصرة على هذه الواقعة توسع كبير، وإلا فأصحاب هذه المظاهرات ينكرون على من يرى أن الاجتماع في المساجد -بل وفي غيرها-، وبيان ما يجب بيانه كافٍ في تحقيق المقاصد التي يقصدون إليها بلا مفاسد.

2- وكذلك الحال بالنسبة لخروج العلماء في جماعات للإنكار على الولاة أو على العامة، وهي صور تحتاج أيضاً إلى إعمال ضوابط المصلحة والمفسدة،

الصفحة التالية