أسئلة حول مقصود الإيمان عند مرجئة الفقهاء
الشيخ ياسر برهامي • الإيمان والكفر
السؤال :
هل من قال من أهل العلم إن أعمال الجوارح لا تدخل في مسمى الإيمان ألزم بقوله هذا أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإن كان كذلك فلِمَ لَمْ يقل بالزيادة والنقصان مع أنه يثبت عمل القلب فهل هو عنده أيضاً درجة واحدة؟
ما وجه الاستدلال بهذه الأحاديث على أن أعمال الجوارح تدخل في مسمى الإيمان
1- بني الإسلام على خمس.
2- إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق .
ما حجة من قال من الحنفية إن أعمال الجوارح لا تدخل في الإيمان؟ وما الرد على قوله؟ وهل يترتب على هذا خلاف حقيقي أم هو مجرد خلاف لفظي؟
الجواب :
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فمن يقول بأن أعمال الجوارح لا تدخل في مسمى الإيمان من مرجئة الفقهاء هم يقولون بأنه لا يزيد ولا ينقص وليس فقط ألزموا به، وهم يصرحون بأن المؤمنين في أصله سواء كما ذكره الطحاوي، قال الطحاوي في عقيدته: "والإيمان واحد وأهله في أصله سواء" انظر شرح الطحاوية وتعليق الشارح على ذلك (2/459)، ويرون أن أعمال القلوب التي هي أصل الإيمان لا زيادة فيها ولا نقصان، وإنما لوازمها هي التي تزيد وتنقص، فيرون كل زيادة على الأصل من اللوازم والثمرات لا تدخل في المسمى، والصحيح ما ذهب إليه ابن تيمية من أن الخلاف لفظي أو قريب منه مع أن الصحيح قول الجمهور.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (7/297): (ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذم والعقاب كما تقوله الجماعة، ويقولون أيضاً بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة، والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار.
فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين بما جاء به الرسول، وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء، ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار، كالخوارج، والمعتزلة، وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أحداً منهم يدخل النار، بل نقف في هذا كله، وحكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام) أ.هـ وانظر (7/218،242،575).
وقال الذهبي وهو يترجم لحماد بن أبي سليمان: (أنه تحول مرجئاً إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون الإيمان إقرارٌ باللسان ويقين بالقلب، والنزاع على هذا لفظي -إن شاء الله-، وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض، نسأل الله العافية) أ.هـ سير أعلام النبلاء (5/233) ط. الرسالة.
وانظر لمزيد بحث لهذه المسألة شرح الطحاوية (2/470) ط. دار الرسالة.
أما المسألة الثانية فالإسلام هو الدين، وقد جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأعمال منه، فالأعمال من الدين، والدين والإيمان شيء واحد، كما أنه قد ثبتت أحاديث مماثلة تسمى هذه الأعمال إيماناً، كحديث وفد عبد القيس (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم) متفق عليه ، فالدين الإسلام والإيمان، والعملُ منه، ولتفصيل المسألة قال الحافظ ابن رجب -رحمه لله-: (فأما الإسلام فقد فسره النبي -صلى الله عليه وسلم- بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل، وأول ذلك شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وهو عمل اللسان، ثم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، وهي منقسمة إلى عملٍ بدني كالصلاة والصوم، وإلى عمل مالي وهو إيتاء الزكاة، وإلى ما هو مركب منهما كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة.
وفي رواية ابن حبان أضاف إلى ذلك الاعتمار والغسل من الجنابة وإتمام الوضوء، وفي هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام، وإنما ذكر ههنا أصول الإسلام التي ينبني الإسلام عليها، كما سيأتي شرح ذلك في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: (بُني الإسلامُ على خَمْسٍ) في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
وقوله في بعض الروايات: ( فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: نَعَم) يدل على أن من كَمَّل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلماً حقاً مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلماً حكماً، ومن ترك الشهادتين خرج من الإسلام، وفي خروجه بترك الصلاة خلاف مشهور بين العلماء، وكذلك في ترك بقية مباني الإسلام الخمس كما سنذكره في موضعه.
ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) .
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رجلاً سأل النبي: أي الإسلام خير؟ قال: ( أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ وَتَقْرَأَ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِف ) .
وفي صحيح الحاكم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق من ذلك: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن انتقص منهن شيئاً فهو سهم من الإسلام تركه، ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره) ، والصوى: أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي والمفازة المجهولة يستدل بها على الطريق، راجع تعليق الألباني على الحديث> .
