شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

آداب اللقاء تحت ظلال السيوف

عصام حسنين • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فيا أخي المجاهد في سبيل الله على أرض غزة الصامدة، وغيرها من ثغور المسلمين في كل مكان، أسأل الله -تعالى- لنا ولك الثبات والصبر والقبول والفوز بإحدى الحسنيين.... آمين.

فهذه بعض آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، علَّمنا الله -تعالى- إياها، وكذا رسوله -صلى الله عليه وسلم-، أذكّرك بها؛ لتكون منك على بال.

أولاً: الثبات والصبر وكثرة ذكر الله -تعالى-، والمحافظة على الصلوات:

قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال:45) .

وثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو حتى إذا مالت لشمس قام فيهم، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ) ثُمَّ قَامَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: (اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِىَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ) رواه البخاري ومسلم .

قال قتادة -رحمه الله-: "افترض الله ذكرَه عند أشغلِ ما يكون، عند الضرب بالسيوف".

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "فأمر -تعالى- بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم" اهـ التفسير 7/98.

وقال -تعالى-: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ . فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة:238-239) .

قال ابن كثير: "لما أمر -تعالى- عباده بالمحافظة على الصلوات، والقيام بحدودها، وشدَّد الأمر بتأكيدها؛ ذكر الحالَ التي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب فقال: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا) أي: فصلوا على أي حال كان، رجالا أو ركبانا: يعني: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، كما قال مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وَصَفَها، ثم قال: "فإن كان خوفٌ أشد من ذلك صلَّوْا رجالا على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها"، قال نافع: "لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-". رواه مسلم

ولمسلم أيضاً عن ابن عمر قال: فإن كان خوف أشد من ذلك فصل راكباً أو قائماً تومئ إيماء، عن جابر بن عبد الله قال: "إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه إيماء حيث كان وجهه فذلك قوله: (فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا) " رواه ابن أبي حاتم .

وعن ابن عباس قال: "فرض اللهُ الصلاةَ على لسان نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة". رواه مسلم

وبه قال أحمد -رحمه الله- أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وكذا قال غير واحد.

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "حضرت مناهضة حصن تسْتَر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا"، قال أنس: ،وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها". رواه البخاري .

قوله -تعالى-: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) أي: أقيموا الصلاة كما أمرتم (كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون) أي: مثل ما أنعم عليكم وهداكم للإيمان، وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر... اهـ بتصرف 1/ 295.

ثانياً: الصمت والسكينة إلا من ذكر الله:

عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واذكروا الله، وإن أجلبوا وصاحوا فعليكم بالصمت) رواه عبد الرزاق في مصنفه.

وعن ابن جريج عن عطاء قال: "وجب الإنصات وذكر الله عند الزحف"، ثم تلا هذه الآية، قلت: "يجهرون بالذكر؟" قال: "نعم".

ثالثاً: السمع والطاعة في المعروف، وترك التنازع والاختلاف، والحرص على ألفة القلوب واجتماعها:

قال الله -تعالى-: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك. فما أمرهم الله -تعالى- به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضا فيختلفوا فيكون سببا لتخاذلهم وفشلهم، (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي: قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال" اهـ 7/98

وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:152).

رابعاً: عدم التشبه بالمشركين في نياتهم الفاسدة، وأخلاقهم الردية:

قال الله -تعالى-: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (الأنفال:47)

الصفحة التالية