منح من بوابة غزة بين المؤمنين والمنافقين
أحمد عبد السلام • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فمن المحن تأتي المنح، ومن الآلام تأتي العطايا.
إذا كان المسلم يتألم لما يجري لإخوانه في غزة وغيرها من هذه الجراح والآلام؛ ولكن لا يخلو الأمر من عِبر ومنح وعطايا، منها:
1- التذكير بقضية الصراع بين الحق والباطل: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ) (البقرة:251) .
وتعميق عقيدة الولاء والبراء: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة:120) ، (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة:109) ، (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة:217) .
لكي نستمع ونرجع إلى كتاب ربنا وهو يوجهنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51) .
2- اختبار عزيمة المؤمنين وإيمانهم وتضحيتهم في سبيل الله: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) (محمد:4) .
3- استخراج عبادة الاستكانة، والخضوع، والتذلل والانكسار لله -سبحانه وتعالى- في السراء والضراء، وفيما يحبون وفيما يكرهون.
يقول ابن القيم -رحمه الله-: "إنه سبحانه لو نصرهم دائما -أي المؤمنين- وأظفرهم بعدوهم في كل موطن، وجعل لهم التمكين والقهر لأعدائهم أبدا؛ لطغت نفوسهم، وشمخت وارتفعت كما لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء" اهـ.
لأن من الناس من يعبد ربه على الرخاء فقط، كما قال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج:11) .
4- ومن ذلك اصطفاء الشهداء، وهذا لا يكون إلا ببذل وتضحية وآلام: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) (آل عمران:140) ، والشهداء هم خواص الله والمقربون من عباده (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169) .
5- ومن ذلك أنه قد يكون لعباده المؤمنين منزلة عنده -سبحانه وتعالى- في الجنة لا تبلغها أعمالهم، فيبتليهم ليرفعهم إليها، وقد مر -صلى الله عليه وسلم- على بعض الصحابة وهم في شدة وضر وفاقة فقال: (لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة) رواه الترمذي، وصححه الألباني ، وفي الحديث: (إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى) رواه أبو داود، وصححه الألباني .
6- ومن ذلك إظهار شرف هذه الأمة: فإنها الأمة الوحيدة التي تقاتل في سبيل الله، رغم ما بها من ضعف وقلة إلا أنها لا تزال فيها طائفة تقاتل عن هذا الدين حتى تقوم الساعة، ولا يضرها من خذلها أو خالفها (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) (النساء:76) .
7- ومن ذلك أيضا كشف حال المنافقين: الجبناء الذين يتخاذلون عن نصرة دين الله؛ لأنهم في الواقع لا يؤمنون به، ويتخاذلون عن نصرة إخوانهم؛ لأنهم لا ينتمون إليهم.
ولهؤلاء المنافقين مواقف مخزية مع هذا الدين، ومع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة وقت المحن، وهي مواقف متكررة في القديم والحديث.
ولأهمية هذه المواقف سطرها القرآن تتلى إلى يوم القيامة، ولخطورة هذا الصنف من البشر فضحتهم الآيات في أكثر من سورة، بل هناك سورة تسمى سورة "المنافقون".
فهيا بنا نقف مع فضائحهم وخزيهم في غزوة أحد، والأحزاب، وتبوك:
موقفهم يوم أحد:
يوم أحد تخلفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ . الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) (آل عمران:167-168) .
تأمل في موقفهم هذا... تخاذل وجبن... أبوا أن يخرجوا للقتال أو حتى الدفع عن المسلمين!!
لِمَ يفعلون ذلك؟!
لاضمحلال إيمانهم، لا يستشعرون بانتمائهم لهذه الأمة وهذا الدين، ولذلك يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ثم يثبطون الناس، ويخذلون المؤمنين عن قتال الكافرين، وبأنهم لو أطاعوهم ما قتلوا.
إن الانتماء هو الذي يحرك العبد للدفاع عن دينه وعن إخوانه، إن الإيمان هو الذي يدفعه إلى التضحية في سبيل الله، ونصرة دينه.
فإذا لم يكن منتمياً ولم يكن مؤمناً، لِمَ يجاهد إذاً؟! ولمَ يضحي؟ ولِمَ يبذل إذاً؟
إن كشف حال هؤلاء من الأهمية بمكان، وهذا من فوائد المحن.
موقفهم يوم الأحزاب:
في هذا اليوم العصيب، وقد أحاطت بدولة الإسلام الناشئة جيوش الكفر، وتحزبوا عليهم، وأرادوا استئصال شأفة الإسلام (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا) (الأحزاب:11) ، ماذا فعل المنافقون؟؟ تأمل... (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا) (الأحزاب:12) .
