شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحضارة الإسلامية... عوامل قوتها وأسباب ضعفها

الشيخ سعيد عبدالعظيم • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فتتردد كلمة الحضارة على ألسنتنا وألسنة الناس، فهذا يتكلم عن "صراع الحضارات"، والثاني يجيب عليه بأن المطلوب هو "حوار الحضارات" لا الصراع بينها، ونسمع من يفتخر بانتسابه "للحضارة الفرعونية"، وأنها حضارة السبعة آلاف سنة، فينازعه هذا وذاك بأن حضارته "بابلية" أو "آشورية" أو "فينيقية"، ويتباهى الغرب ويتطاول على هذه الأمة بإقامة حضارة معاصرة، يحلو للبعض أن يصفها بحضارة القلق!

وتكاد كلمة الحضارة تقترب وتترادف في حس الكثيرين مع التطور والتقدم والرقي، بحيث يغلب الطابع المادي من حيث التقنية، وألوان الفنون والعمارة، وهذا كله يقترب من المدينة الفاضلة التي كان يحلم بها الفلاسفة، وما هي إلا لوثة مادية انفصلت فيها الأرض عن السماء، والدنيا عن الآخرة، فصار حالهم كما وصفهم الخالق -جل وعلا-: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:7) .

ونحن بصدد التعرف على أسباب قيام الأمم وانهيارها، وعوامل قوتها وضعفها، كان لابد من تحديد الغاية من خلق الخلق، والهدف من وراء التعمير والبناء.

وإذا كان المسلم له شأن وللناس شأن، فما هي الحضارة التي ننشدها ونسعى لإيجادها؟

الحضارة هي التي تقوم على أساس تعبيد الدنيا بدين الله ، أي على أساس واجب العبودية التي خلق ربنا الخلق لأجلها، فقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات:56-58) ، وهذا الواجب يمتد حتى الممات ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99) .

والعبادة مفهوم واسع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأفعال، الظاهرة والباطنة، يؤمر بها الحاكم والمحكوم، وقد تعدت الإنسَ إلى الجن، فالجنُ مُتـَعبَّد بأصل الشريعة، وهذه العبادة شاملة لكل ألوان النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي، شاملة المسجد والسوق، والحرب والسلم، فلا تقتصر على مجرد بناء المساجد -رغم قيمتها- فضلاً عن أن تـُقصر الحضارة الإسلامية على الزخارف والنقوش!!

الحضارة الإسلامية يتواصل فيها الخلق من لدن آدم -عليه السلام- حتى نبينا -صلى الله عليه وسلم- (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) (الزخرف:24) ، (رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء:165) ، وما من نبي إلا قال لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف:59) ، فهذا هو مفتاح دعوة الرسل، وهو منتهى هذه الدعوة، ومادة الإصلاح للبلاد والعباد في هذا الزمن وغيره، ومبدأ وأساس الحضارة الحق التي يرضى عنها خالق الأرض والسماء، فلا يستعاض عن منهج الأنبياء والمرسلين بمناهج أرضية اشتراكية أو ديمقراطية، ولا بنظرات تبعيضية تجزيئية تتعلق بالسياسة والاقتصاد، ولا بأديان محرفة، كما هو الحال بالنسبة لأهل الكتاب.

لقد بدأت البشرية بنبي مكلم وهو نبي الله آدم، أي بدرجة هي أعلى درجات الهداية، فلم تتطور العقيدة كما يحلو للبعض أن يزعم، وسينزل عيسى ابن مريم -عليه السلام- في آخر الزمان حكماً عدلاً مقسطاً، يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويحكم بشريعة الإسلام، فهذا هو المنهج الذي ينبغي على البشرية أن تسير عليه في إقامة حضارتها (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) (الأنعام:90) .

ليس لأحد أن يـُغيِّر أو يبدل في هذا المنهج، ولا أن يُحسِّن القبيح، ويقبح ما حسنته الشريعة (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (يونس:15) ، ما قيمة أن تكسب الدنيا وتخسر ربك ودينك وآخرتك فركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها؟!

وما قيمة أن تقيم المسلات والأهرامات، وتنشئ المصانع والمتاحف، وتعيش في القصور حياة الملوك، ثم تـَرد على ربك غداً مفلساً؟! (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) (الفرقان:23) ، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (النور:39) .

نحن لا نعتبر ما أقامه الفراعنة، والبابليون، والآشوريون، وما يقيمه الغرب الآن حضارة، وإن أطلق وصف الحضارة على ما صنعوه فلابد من تقييده بأنها حضارات عفنة مادية؛ وذلك لأنها على غير أساس العبودية لله -جلّ وعلا-.

فنظام السخرة وتعبيد المصريين للفرعون، وادعاء الربوبية والألوهية، وأن الدماء الزرقاء تجري في عروق الفرعون... مسائل ما تحتمل الإهمال وغض الطرف، والانبهار في المقابل بإنشاء الأهرامات، والكلام على عظمة الحضارة الفرعونية!!

لقد انتقل قوم نوح، وعاد، وثمود، والفراعنة إلى ربهم غير مأسوف عليهم (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِين) (القصص:55) ، وقال -سبحانه-: (فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ) (العنكبوت:40) .

خذوا الدرس، واحذروا الزيف؛ فالشرع لا يفرق بين المتساويين، ولا يساوي بين المختلفين، ولا داعي للغناء على الأطلال والآثار، ولا تتشبهوا بالهلكى؛ فـ (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) رواه أبو داود، وصححه الألباني ، و (لا يحب رجل قوما إلا حشر معهم) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وقال الألباني: صحيح لغيره ، بل (لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لاَ يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ) متفق عليه ، أي من جرَّاء كفرهم وضلالهم، وهذا يفسر لك لعنة الفراعنة التي جهلها البعض، وحاول طمسها آخرون!!

الصفحة التالية