عذراً أبويّ؛ فحياتي لا تفي برًّا
عبد المعطي عبد الغني • المرأة والأسرة
لذا؛ لم تكن أمتنا بحاجة لابتداع يوم للأم -والعمر كله لا يفي برًّا- والبدع ضلالات، وشرها ظاهر، وضررها غالب، ومن أحدث في هذا الدين ما ليس منه؛ فهو رد، وكل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة، ومن استحسن؛ فقد شرَّع، ونازع الله في أخص حقوقه، قال الإمام مالك -رحمه الله-: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة؛ فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ) (المائدة:3) ، فما لم يكن يومئذ دينًا؛ فلا يكون اليوم دينًا".
ولهذا اليوم -لأنه بدعة ضلالة- آثار سيئة: تسبقه، وتلازمه، وتعقبه، نوجزها فيما يلي:
1- هذا اليوم بدعة، وما أحيا الناس بدعة إلا وأماتوا مكانها سنة ، فيصير البرُّ مقصورًا على هذا اليوم.
2- هذا اليوم تـَشـَبُّهٌ بأعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين ، فقد اتبعت الأمة سنن من كان قبلها، وتشبهت بأمم لا خلاق لها، فدخلت جحر الضب مع أعدائها.
3- تسمية هذا اليوم بالعيد يطمس أعياد الأمة المشروعة ، ألا ترى فرح المبتدعين به، وسرورهم بمجيئه، وتنافسهم في إظهار شعائره؟! إنه لأشد من فرحهم بالفطر أو الأضحى، إن لم يكن أكثر! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
4- هذا اليوم انتقص الأمهات ولم يـُكرمهُنّ، فعذرًا أمَّاهُ! فاليمانيُّ الذي حمل أمّه على ظهره وطاف بها مرتجزًا:
إنـي لها بـعـيرها المذلل إن أذعــرت ركــابـهـا لـم أذعـر
الله ربـي ذو الجـلال الأكـبـر
حملتـُها أكثر مما حملت فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟
قال له: "لا، ولا بزفرة واحدة".
5- هذا اليوم يجعل الأب في زاوية النسيان ، فالعواطف متجهة للأم دونه، وعليه أن يدفع ثمن الهدايا راضيًا؛ وإلا اعتبر لا يحب "ماما"، وإن توجهت العواطف إليه فمجاملة، وإسلامنا العظيم لم يفرق بين الوالدين إلا في زيادة الإحسان!
6- هذا اليوم يطعن بخنجر بلا رحمة الصغار -بل الكبار أيضًا- الذين ماتت أمهاتهم ، أو الذين قدَّر الله أن تتفتح أعينهم على الحياة فلم تكتحل برؤية أمهاتهم، وذلك حين يشهد أترابه وهم يحملون الورود والهدايا إلى أمهاتهم، ويشهد احتفالات الإعلام والمدارس بالأمهات فيروي الذكرى بدموعه، ويزفر زفرات الحزن والألم، وهكذا تتجدد آلام الأمة كلما جاء اليوم الموعود.
7- هذا اليوم يرهق ميزانية الأسر في وقت يشتكي فيه الناس من ضيق العيش والغلاء؛ إذ لم يقتصر الأمر على هدايا الأم، فلو كانت لهانت! وإنما توسع الناس: فهدية لأم الزوجة، ولأم الزوج، ولأم المخطوبة، حتى اتسع الخرق على الراقع، وعمَّت البلوى.
8- هذا اليوم يترك وراءه ركامًا من المشكلات الاجتماعية ، فعلى سبيل المثال: ستغضب الأم -ولها الحق أن تغضب- إذا كانت هدية أم الزوجة أقيم وأثمن من هديتها، وستغضب أم الزوجة؛ لأن زوج ابنتها لم يهدِ لها، وستغضب أم المخطوبة إذا حملت ابنتها هدية عيد الأم الغالية جدًّا لأم خطيبها، ولم يهدِ الخاطب لأم مخطوبته، وهكذا...
9- الهدية لا شك أنها تفتح القلوب، وهي عنوان المحبة وسببها ، فهل تكون الهدية مع ضعف الإيمان وهوى النفوس سببًا للظلم وعدم العدل؟!
فماذا لو قـَدَّمت زوجات الأبناء الهدايا فصار الحب على قدر الهدية، فربما أُبغِضَت المرأة المطيعة البارة وقرِّبت العاصية العَقـُوقة، وهذا الشأن أيضًا في الأبناء -وقانا الله وإياكم الشرورـ لهذا وغيره؛ لم تكن أمتنا بحاجة إلى ابتداع مثل هذا اليوم، فشرع الله خير كله، ومصلحة كله، والمحدثات مردودة على أصحابها، و( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ، أما آباؤنا وأمهاتنا فلو حملناهم فوق الرءوس، ووضعناهم بين الأجفان، ونثرنا فوق رءوسهم البر والإحسان ما وفيناهم حقهم.
نسأل الله أن يبارك في أعمارهم، وأن يرضيهم عنا، وأن يرزقنا برهم، ويستجيب فينا دعاءهم، وأن يرحم من مات منهم، وأن يلحقنا بهم كما وعد: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) (الطور:21) .