الأزهر والليونز... من يرتدي قبعة الآخر
أحمد عبد الحميد • حدث وتعليق
لكن الذي لا يتوقع أبدًا أن يصدر هذا التصرف من رجل يتبوأ منصبًا يعتبره المصريون المنصب الرسمي الأهم على الإطلاق، ويستوي فيه معه منصب شيخ الأزهر الذي يحترمه الكثير من مسلمي العالم.
ولكن وللأسف الشديد فإن هذا الموقف لم يكن الأول، ولا يتوقع أن يكون الأخير؛ فقد اعتاد الرجلان -شيخ الأزهر د. طنطاوي، والمفتي د. جمعة- الإتيان بمواقف متميزة من هذه النوعية المخجلة تخصم الكثير والكثير من رصيدهما القليل أصلاً، والأخطر أن يكون هذا الخصم من رصيد المؤسستين الدينيتين الهامتين أو اللتين يفترض لهما أن تلعبا دورًا بالغ الأهمية في حياة واحد من أكثر الشعوب محورية في العالم الإسلامي، والذي ظل زمانًا طويلاً هو رأس الحربة الإسلامية في مواجهة الحملات الصليبية والتترية، ولكن إلى الله المشتكي.
استعصت هذه الأمة المصرية زمانا طويلاً على سيف الأعداء، وكسرته أكثر من مرة، فلم يجد العدو أفضل من التدسس الناعم على هذه الشاكلة؛ فما لم تفعله السيوف والحراب يمكن أن تفعله (تورتة) وبعض الشموع.
لا تتعجب بعد ذلك حينما تسمع فتاوى تعرف الباعث عليها وتشعر وكأنك سمعتها ألف مرة؛ تتحدث عن سماحة الإسلام وعن قبول الآخر والحوار معه، وعن الإخوة الإنسانية وعن... وعن... وعن أن منظمات "الليونز" و"الروتاري" منظمات خيرية لا تهدف إلى الربح، بل إلى صلاح الشعوب، وأن الجماعات الإسلامية على اختلاف أطيافها هي الخطر الحقيقي الذي يتهدد الأمة... الموضوع يسير إذن، فما الذي يدفع الغربيين إلى إنفاق المليارات في الحروب العسكرية طالما أن بعض الحلوى قد تحقق الغرض وبكفاءة أكبر؟!!
لم تفعل هذه المنظمات الماسونية هذا الفعل مع الدول الإسلامية فحسب، بل إنها تعمد دائمًا إلى اختيار النابهين وأصحاب التأثير والوجاهة في مختلف أنحاء العالم، وتسبغ عليهم الأموال، وتحتفي بهم بمثل هذه الطريقة؛ حتى يصبحوا أبواق دعاية مؤثرة لمخططاتهم الإلحادية والإباحية.
وربما كان أمر هذه المنظمات خافيًا على كثير من الناس في فترات سابقة، وهو ما قد يعتذر به البعض عن الشيخ "محمد عبده" مثلاً حينما تواصل مع هذه المنظمات من قبل، وسواء أعَلِم الشيخ محمد عبده أم لم يعلم هذه الحقيقة فإن الرجل إلى الآن موضوع في قفص الاتهام، بل أطلق عليه الكثيرون حكم الإعدام الفكري بسبب مثل هذه العلاقات، ولم يشفع للرجل الذي يطلق عليه محبوه لقب: "الإمام" هذا الخفاء النسبي لأمر هذه المنظمات وقتها.
وعلى عكس شيخ الأزهر الدكتور "طنطاوي" الذي دائمًا ما يتحجج بعدم درايته بـ (هذه الأمور)؛ فإن الدكتور "علي جمعة" الذي يطلق عليه أتباعه أيضًا لقب الإمام -وربما يضيفون إليه لقب العلامة- كان على علم تام بأمر هذه المنظمات!! وكيف أن مثل هذه الزيارة ستمثل وصمة عار لا تـُمحى، ومع ذلك تقحم الأمر على بصيرة؛ ثم إذا به يعجب بعد ذلك من انفضاض كثير من الناس عنه برغم الوجاهة والتلميع الإعلامي، ثم التفافهم حول مجموعة من الدعاة في المساجد وعلى الفضائيات وغيرها، حيث وجدهم الناس محلاً لثقتهم التي فقدها المفتي وأمثاله!
فالرجل قد بلغ به الاحتقان إلى درجة مهاجمة هؤلاء الدعاة، لا على منابر المساجد أو الفضائيات مثلاً؛ وإنما من على منابر الإلحاد في أندية الليونز، بل يصف هؤلاء الدعاة بأن منهم (بائع السيراميك، والبقال، وسائق الميكروباص) وهي الفئات التي لا يسمح لها بدخول مثل هذه الأندية الراقية؛ باعتبار أنهم ينتمون إلى طبقة يصدر عنها العرق النبيل مبللاً ثيابها، وبالتأكيد فإنهم لا يستطيعون دفع ثمن (تورتة) كالتي اشترتها سيدات الليونز لفضيلته.
ويبدو أن أجواء هذه الأندية تدير الرؤوس فعلاً -عافاكم الله- فلم يفـُتْ الرجل الحديث عن الفرق بين السنة والشيعة، وأن الخلاف بينهما (مجرد اختلاف في مصادر التلقي)، وكأن هذا الكشف الخطير سيغير مسار حياة الحاضرين في هذا الحفل، والذي فاته فعلاً -وعلى غير عادته- أن الأجواء السياسية الحالية تدفع باتجاه المخاصمة والمهاجمة لإيران -لا مداهنتها- والتي يمكن أن تحل محل لفظة (الشيعة) في أكثر المواضع بلا كبير فارق في لغة أهل السياسة.
ومما فاته أيضًا -وعن عمد- هو الحديث عن تسليم المسلمات المتحولات من النصرانية إلى الكنيسة مرة أخرى لتفتنهم عن دينهم، فيما يعد تحولاً خطيرًا في طبيعة الدور الذي تلعبه الكنيسة المصرية، وهو الأمر الذي ينذر بعواقب كارثية لا يعلم مداها إلا الله، ولكن ربما رأى المفتي أن مثل هذا الحديث سيعكر الأجواء الحميمية التي جمعته بأعضاء الليونز الداعين إلى السلام والمحبة وحرية الانتقال بين الأديان، والتي في حقيقتها دعوة إلى حرية في اتجاه واحد، وهو التحول عن الإسلام لا إليه.
في الحقيقة فإن منظمات الليونز اعتادت استقطاب مثل هذه الشخصيات القابلة لـ (التفاهم)، ولكنها عبر تاريخها لم يحدث أن ارتدت عمامة؛ سواء أكانت صوفية أم شيعية أم حتى سنية؛ فالقوم واضحون تمامًا، وقبعتهم غربية سوداء، ولا تروقهم أغطية الرأس الملونة، لا سيما الخضراء المميزة للصوفية.
فهل يمكن القول بأن الأزهر سيرتدي القبعة الغربية، لا سيما في الوقت الذي يترشح فيه الدكتور علي جمعة والدكتور أحمد الطيب لخلافة شيخ الأزهر د. طنطاوي، وكلاهما على استعداد تام لارتداء هذه القبعة بلا أدنى حرج؟
إن غدًا لناظره قريب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.