أثر الدعاء في صلاح الأبناء
ماهر السيد • المرأة والأسرة
فعن أنس -رضي الله عنه- قال: جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ أَزَّرَتْنِي -ألبستني إزارًا- بِنِصْفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتْنِي -ألبستني رداءً-بِنِصْفِهِ، فَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ فَادْعُ اللَّهَ لَهُ". فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ ). قَالَ أَنَسٌ: "فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ). وفي رواية: ( وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ ) (رواه مسلم) .
ولنتأمل هنا كيف بنت وأسست أم سليم -رضي الله عنها- لابنها مستقبله في الدين والدنيا بالدعاء؟! إنه جيل الصحابة الفريد الذين أحسنوا الأخذ والفهم والتطبيق عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ويكافئ -صلى الله عليه وسلم- ابن عباس -رضي الله عنهما- الغلام الصغير على إعداده لوضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يطلبه بأن يدعو له، فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ الْخَلاَءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ: ( مَنْ وَضَعَ هَذَا؟! ). فَأُخْبِرَ؛ فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ).
ويستجيب الله -تعالى- لدعائه -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس ويصير حبر الأمة وترجمان القرآن.
ولما كان هؤلاء هم قدوتنا وأسوتنا -عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه- يأمرنا الله -تعالى- بأن نقتدي بهم، قال -تعالى-: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (الأنعام:90) ، ويخبرنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الأسوة الحسنة لنا في كل أمرنا به، قال -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) . "إصلاح البنين - سحر شعير" بتصرف يسير .
وعلى هذه الخطى سار السلف:
فوجدناهم يهتمون بالإكثار من الدعاء للأبناء، فهذا الفضيل بن عياض -رحمه الله- سيد من سادات هذه الأمة، وعالم من علمائها الأكابر يدعو لولده علي -رحمه الله- وهو صغير فيقول: "اللهم إنك تعلم أني اجتهدت في تأديب ولدي عليّ فلم أستطع، اللهم فأدبه لي"، وهو مع هذا لم يتوانَ عن تعهده بالإصلاح والرعاية وحسن الأدب، لكنه يعلم أن الأمر كله لله فيدعوه -سبحانه- ويتضرع إليه في إصلاح ولده؛ فيستجيب الله -تعالى- دعاءه ويصلح له ولده حتى إن بعض العلماء ليفضل علي بن الفضيل على أبيه على جلالة قدر أبيه -رحمهما الله-.
وهكذا كان أكثر السلف لكنا لا نريد الإطالة.
احذر الدعاء على أولادك:
إن مما ينبغي أن يكون معلومًا ومستقرًّا في نفوس الآباء أن الدعاء على الأبناء من الممنوعات التي لا يجوز الاقتراب منها بحال، ولقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الدعاء على الأطفال فقال: ( لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ ) (رواه مسلم) .
إن الوالدين أو أحدهما قد يغضب لإساءة بعض الأبناء أو عقوقه، وهما إن غضبا فحقهما، لكن ينبغي ألا يلجأ الوالدان أو أحدهما في هذا الحال إلى الدعاء على الأولاد، فإنهما أول من يكتوي ويتألم إن أصاب أبناءهما مكروه، وليستحضر الوالدان أن دعوة الوالد لولده أو عليه هي مما يستجاب، فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك بقوله: ( ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ لاَ شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) . فذكر منها: ( دَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ )، وفي رواية: ( وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
وقد تكون إجابة الدعوة على الولد سببًا في مزيد من العقوق والفساد لمن دعي عليه من الأولاد، وقد جاء رجل إلى عبد الله ابن المبارك -رحمه الله- يشكو إليه عقوق ولده، فسأله ابن المبارك: "أدعوت عليه؟"، قال: "نعم"، قال: "اذهب فقد أفسدته".
وهذا الجواب منه يدل على سعة علمه -رحمه الله-، فإن الدعاء على الأولاد لن يزيدهم إلا فسادًا وعنادًا وعقوقًا، وأول من يشتكي هذا العقوق هو من تسرع بالدعاء على الأولاد.
هدى الله أولادنا، وأصلح لنا ذرياتنا، وجعلهم قرة عين لنا في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.