شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ قَلْبَكَ غِنًى وَأَمْلأْ يَدَيْكَ رِزْقًا

محمد إسماعيل أبو جميل • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فعن معقل بن يسار -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَقُولُ رَبُّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ قَلْبَكَ غِنًى، وَأَمْلأْ يَدَيْكَ رِزْقًا، ابْنَ آدَمَ لا تَبَاعَدْ عَنِّي فَأَمْلأْ قَلْبَكَ فَقْرًا، وَأَمْلأْ يَدَيْكَ شُغْلا) رواه الحاكم والطبراني، وصححه الألباني .

إن قضية الرزق والكسب، والغنى والفقر من أكبر ما يشغل بال الإنسان في كل مكان وعبر التاريخ والزمان، بل إن البعض جعل قضيته الأولى في الحياة هي "لقمة العيش" من طعام وشراب وسائر حاجات الجسد ظاناً أن بلوغ الرفاهية في ذلك هو سبب السعادة في هذه الحياة، بل ربما سفكت الدماء وقامت الحروب من أجل هذه القضية.

وإنما سعادة الإنسان وراحته تكون بحال قلبه، وتصوره وسلوكه في الحياة؛ فإن الفقر وإن كان ابتلاءً يبتلي الله به عباده إلا أنه يرتبط بعقيدة الإنسان ونظرته لهذه الحياة وهدفه الذي من أجله يعمل في هذه الدنيا، لذا فقد قال -عز وجل- في الحديث القدسي: (يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأُ قَلْبَكَ غِنًى وَأَمْلأْ يَدَيْكَ رِزْقًا، ابْنَ آدَمَ لا تُبَاعِدْ مِنِّي فَأَمْلأُ قَلْبَكَ فَقْرًا وَأَمْلأُ يَدَيْكَ شُغْلا) .

والتفرغ لعبادة الله يكون بتفريغ الهم والإرادة لله وحده، وليس المقصود أن يمكث الإنسان في المسجد دون سعي لكسب أسباب معاشه، فإن الله أمر عباده أن يمشوا في مناكب الأرض سعياً للرزق؛ قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15) ، وأمرهم بالسعي لأكل الحلال وترك الحرام، ونهاهم عن سؤال الناس، بل أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة أصحابه ألا يسألوا الناس شيئاً، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِى وَجْهِهِ مُزْعَةُ -قطعة- لَحْمٍ) متفق عليه .

فسؤال الناس شيئاً من دنياهم يحدث الخلل في المجتمع وفي شخصية الإنسان نفسه.

وتفريغ الهمّ لله وحده هو قضية اعتقادية بأن يكون همّ المرء في هذه الحياة عبودية الله -عز وجل- بمفهومها الذي يشمل كل جزئيات الحياة؛ قال -سبحانه-: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163) ، فتكون حياته وقفاً على هذا الهدف، يريد أن يحققه في كل نواحي حياته بتصديق خبر الله والتزام شرعه، وتنفيذ أمره واجتناب نهيه، واتباع رسوله -صلى الله عليه وسلم- في كل دقائق حياته؛ عندها يحصل له الخير، وتتسع أمامه أبواب الخير كلها، ويرى بقلبه ما لم تكن تراه عينه.

(أَمْلأُ قَلْبَكَ غِنًى):

إن الغنى... غنى القلب والنفس (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) متفق عليه ، فليس كثرة ما في جيب الإنسان وخزائنه هو حقيقة الشعور بالكفاية، بل مهما امتلأت الخزائن فلن يزل المرء يشعر بالفقر إن لم يستغن بعبادة الله، ليس الغنى بكثرة ما مع الإنسان، بل باستغناء القلب بعبودية الله، وحاجة الإنسان للمال، والجنس، والطعام والشراب والوجاهة عند الناس كل هذه لا تسد إلا جانباً صغيراً من حاجاته، أما الجانب الأكبر والأعظم فلا يزال الإنسان يبحث عنه، وهو حاجته إلى أن يتوجه بإرادته وحبه، وخوفه ورجائه إلى إله واحد لا شريك له، ولا يستقر القلب ولا تطمئن نفسه إلا إذا توجه إليه خوفاً ورجاءً، وتوكلاً وإنابةً، وحمداً وشكراً، وصبراً ورضاً عندها يستغني القلب بالله -تعالى-.

إن مشكلة الغلاء وصعوبة أسباب المعاش، وقلة العمل وقلة البركة في الكسب كل هذه تـُحل تلقائياً إذا كان الإنسان مستغنياً بالله -تعالى- فيسهل عليه التنازل عن كثير من الترف والرفاهية، وربما حاجاته الأساسية؛ لأنه استغنى بمولاه -تعالى-.

فقد عاش النبي -صلى الله عليه وسلم- يعاني حياته من الجوع، ومع ذلك كان مطمئناً لا يعبأ بما هو فيه، كان يأتي على أهله الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقد في بيته نار، فهل من فقراء المسلمين ممن نبكي لشدة حالهم وسوء معاشهم، هل منهم من وصل حاله لهذا؟! أو حتى يقوى على أن يتحمل مثل هذا، فكيف تحمله النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبه إذن؟!

خرج -صلى الله عليه وسلم- يوماً وقت الظهيرة في شدة الحر، وما أخرجه إلا شدة الجوع؛ فيلقى الصديق -رضي الله عنه، والذي كان من أغنى تجار المسلمين والذي تصدق بماله كله أكثر من مرة- بل ويلقى الفاروق -رضي الله عنه- وما أخرجهما إلا الجوع، فيقول -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا) ثم ينزلون أضيافاً على أبي الهيثم بن التيهان -رضي الله عنه- فيذبح لهم شاة، ويطعمهم من التمر والبسر ثم يشربون الطيب من الماء، ثم يقول لهم -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه مسلم .

يدخل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين اعتزل نساءه شهراً كاملاً لما سألنه مزيداً من النفقة مما ليس عنده -صلى الله عليه وسلم- فوجده قد نام على الحصير، وقد أثر الحصير في جنبه الشريف، وما في غرفته إلا قربة ماء وإهاب يعد للدباغ، وما في غرفته ولا خزائنه شيء آخر -صلى الله عليه وسلم- فبكى عمر -رضي الله عنه- لما رأى هذه حاله -صلى الله عليه وسلم-، وكسرى وقيصر في ذات الوقت يتنعمون في قصورهم، وهو أحب الخلق إلى الله وأقربهم إليه وأفضلهم -صلى الله عليه وسلم-، فيقول له -صلى الله عليه وسلم-: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ) متفق عليه .

الصفحة التالية