الدَّين همٌ بالليل ومذلة بالنهار
ماهر السيد • التزكية
وعن ميمونة -رضي الله عنها- قالت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ أَحَدٍ يَدَّانُ دَيْنًا فَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَضَاءَهُ إِلاَّ أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا ) رواه النسائي، وصححه الألباني .
والله -عز وجل- يقول: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (البقرة:188) ، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ) رواه مسلم .
فنظرة إلى ميسرة:
وعلى الجانب الآخر فإننا نوجِّه دعوة لمن وسَّع الله عليهم أن يتصدقوا ويوسعوا على عباد الله مستحضرين أنه: ( مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ ) رواه مسلم ، وإذا أنزل بهم فقير أو محتاج حاجته أن يكونوا عونًا له عليها، وإذا لم تـَجُد نفوس بعض الأغنياء بالصدقة فلا أقل من أن يقرضوا من احتاج وأن يصبروا عليه إذا أعسر، لقوله -تعالى-: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:280) .
وليعلم إخواننا الأغنياء أنهم بصبرهم على المدين المعسر ينالون أجرًا عظيمًا كما دل عليه ما رواه أحمد -رحمه الله- عن بريدة -رضي الله عنه- قال: ( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلُهُ صَدَقَةٌ. قَالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ. قُلْتُ: سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلُهُ صَدَقَةٌ. ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ. قَالَ: لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ ) رواه أحمد، وصححه الألباني .
وروى مسلم -رحمه الله- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ ) .
وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَنْ نَفَّسَ عَنْ غَرِيمِهِ أَوْ مَحَا عَنْهُ كَانَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) رواه أحمد، وصححه الألباني .
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في تعليل هذا الحديث: "لأنه لما جعله في ظل الإنظار والصبر، ونجاه من حر المطالبة، وحرارة تكلف الأداء مع عسرته وعجزه؛ نجاه الله -تعالى- من حر الشمس يوم القيامة إلى ظل العرش".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ) .
تيسيرك على المدين تيسير عليك في الآخرة:
فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة.
وصية أخيرة:
أوصي بها نفسي والمسلمين أن نجتهد ما استطعنا في تجنب الاستدانة، وأذكـِّر بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي فيه: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الْمَغْرَمِ! قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) متفق عليه .
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) رواه النسائي، وصححه الألباني .
وجاء عن معاوية -رضي الله عنه- أنه قال: "رق الحر الدَّيْن".
ويكفي في ذم الدَّيْن ما اشتهر عند الناس من أن الدَّيْن: "همٌّ بالليل وذل بالنهار".
عافانا الله وإياكم.